الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ما يكشفه الانتظار في الطابور

22 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 22 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
عندما تضطرّك الظروف فتقف في طابور ممتدّ تنتظر الحصول على الخدمة -مثل وقوفك أمام شبّاك لشراء تذكرة لدخول حديقة ما، أو قاعة سينما أو نحوها، أو عند وصولك إلى مطار فتقف في طابور لختم الدخول على جواز سفرك، أو غيرها من المواقف- ومع أن هناك تقنيات حديثة وتطبيقات يمكن من خلالها شراء التذاكر إلكترونياً وتجنّب الوقوف الطويل، إلا أنه ما زالت هناك خدمات كثيرة في مختلف أرجاء العالم تتطلّب وقوفك في صفّ طويل طلباً للحصول على خدمة ما.
أعتقد أن في مثل هذا الصفّ الطويل اختباراً لأخلاقنا، خاصة عندما لا يكون هناك رقيب، أو عين مسؤولة تتابع الانتظام والتقيّد بالأولوية، ومع هذا تجد الجميع متّفقين على قاعدة واحدة غير مكتوبة، وهي الأولوية لمن سبق.
وعندما يقوم أحدهم بتجاوز هذا الصفّ، يحدث ارتباك، ليس لأننا سنخسر دقيقتين من الوقت، بل لأن العقد الأخلاقي الذي انتظمنا فيه جميعنا اهتزّ، وتوجد محاولة لكسره وتهميشه، ونحن نعلم أن هذه بوادر للفوضى وعدم الانتظام.
وتوجد دراسة بحثية قام بها الباحث ديفيد مايستر، بيّن خلالها أن الانتظار في صفّ الطابور ليس هو المتعب، بل ظروف هذا الانتظار؛ فالانتظار غير المفهوم يكون أشقّ وأكثر تعباً من الانتظار المفهوم، والانتظار المجهول نهايتُه أشقّ وأكثر تعباً من المعلوم، وأيضاً الانتظار الفارغ يكون أطول من الانتظار المشغول، والانتظار غير العادل يكون أكثر مشقّةً منها جميعاً.
لذا يمكن ملاحظة أن الناس في طابور طويل أكثر هدوءاً عندما تُعلَّق شاشة تقول: أمامك سبعة، أو عشرة، لكنهم يتململون وتكثر شكواهم -مع أن الطابور قصير- عندما يقوم أحدهم بتجاوزهم. فالوقوف لانتظار خدمة ليس مشكلة، بل المشكلة دوماً في أن يحصل أحدهم على الخدمة بشكل أسرع، بينما هو جاء بعد وصول الجميع.
وفي هذا العصر تغيّر مفهوم الطابور والانتظار للحصول على الخدمة؛ فالصفوف والطوابير لم تعد مرئية -إذا صحّ الوصف- لأن قائمة الانتظار تتمّ على التطبيقات والمواقع الإلكترونية، وتُعطى أرقامٌ برسالة تصلك على الهاتف تبيّن متى ستصلك الخدمة.
ودون شكّ فإن التقنيات الحديثة خفّفت من الطوابير الطويلة والصفوف المتعدّدة للحصول على خدمة ما، وأيضاً ألغت إمكانية ملاحظة وعي المجتمع وثقافته وقياسِهما، من خلال مدى تقيّدهم بحقوق الآخرين الذين يقفون في صفّ طويل دون رقيب، سوى فهمٍ بأن الأولوية لمن يقف أمامهم في هذا الصفّ.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة