الثقافة بمفهومها العام صناعة، صناعة الإبداع والمبدع، وخلق التراكم الثقافي الخلاق الذي يقدم لنا وعيه وفكرته وأسلوبه ومبدعيه، خلق أدوات تلك الصناعة الثقافية التي ترقى بها وتجعلها ذات قيمة تسويقية عالية.
الثقافة صناعة، لها أدواتها ومقوماتها وأساليبها التي تتطور مع تطور العصر وأدواته وتقنياته، وصناعة الثقافة تحتاج إلى وعي وإدراك حقيقي لقيمة الثقافة ومعناها ودورها في المجتمع من قبل القائمين عليها أو الداخلين فيها، وليست مجرد فعالية ونشاط هنا وهناك، هي بناء حقيقي يتطور مع تطور الزمن ويواكب معطياته وأساليبه، فهل نتقن هذه الحرفية ونعي كيفية التعامل معها كصناعة مثلها مثل أي صناعة أخرى ملموسة، تمثل الوطن وشخصيته وتفكير ووعي أبنائه، أم هي وليدة اللحظة أو وليدة رغبة هذا المسؤول أو ذاك، وتتغير بتغير المسؤولين وكأنها ليست جزءاً مهماً من خطط الاستراتيجية الوطنية مثلها مثل غيرها.
هل نستطيع أن نقول إننا نمتلك هوية ثقافية واضحة المعالم لها مكوناتها وأهدافها وأساليبها، أم إن ما نقدمه «من كل قطر أغنية» حسب مزاجية من يمتلك القرار، دون رؤية واضحة تؤصل للثقافة بمفهومها العام، تعمل على تطويرها ودعم ممارسيها والمتعاملين معها والمحبين لها كل في حقله، لا يطغى حقل على حقل بل وضوح تام يدعم كل مناحي الثقافة بوعي وإدراك لقيمة الثقافة في حياة الشعوب ومدى انعكاسها على صورته أمام العالم.
في تقديري الشخصي أننا نمتلك القدرات والإمكانيات، سواء كانت مادية أو بشرية، لكننا كما يقال «كلٌ يغني على ليلاه»، لا نتجاذب بل نتنافر، نتعاطى مع الأمر وكأنه تحد شخصي بعيد عن التفاهم والعمل المشترك. بعيداً عن التفكير في خلق أرضية مشتركة نستطيع جميعاً، دون استثناء، أن نُبلي فيها البلاء الحسن لصالح الثقافة والمثقفين بشكل عام وواع ومنتج.
أي صناعة كانت، تحتاج إلى خطط واضحة، واستراتيجية مدروسة، لها أبعادها الزمنية، ونهجها الوطني الخالص الذي يتطلع إلى تقديم ثقافة هذا الوطن بشكل يجعلها في الواجهة، ويرسخ قيمتها وقيمة مثقفيها على المستوى الإقليمي والعربي والعالمي بشكل ممنهج ومدروس، لا يعتمد على جهود المثقفين والمبدعين وحدهم، بل يأخذ بأيديهم ويدعمهم ويقدمهم للعالم كقيمة وطنية تمثل الوطن في جانبه الثقافي والإبداعي خير تمثيل.
فهل نمتلك من هذه الأدوات والاستراتيجيات شيئاً؟
