ميثاء أحمد البسطي
زمان، كان الإنسان يطرق باب صديقه لأنه مر من الشارع، أو يشرب فنجان قهوة مع جارٍ صادفه في الطريق. لم يكن أحد يسأل: ما المناسبة؟ كان اللقاء نفسه هو المناسبة.
أما اليوم، فأصبح لكل لقاء عنوان: دعوة، أو عزومة، أو مناسبة، أو موعد يُحجز قبل أسابيع. وإذا لم يوجد سبب، فلا لقاء.
والغريب أننا، رغم كل وسائل التواصل التي بين أيدينا، نشكو أكثر من أي وقت مضى من الشعور بالوحدة؛ لأن المشكلة ليست في أننا فقدنا القدرة على التواصل، بل في أننا فقدنا المساحات التي تجعل التواصل يحدث تلقائياً.
لقد صممنا حياتنا لتكون أكثر كفاءة، لكننا نسينا أن الإنسان لا يعيش بالكفاءة وحدها. كل دقيقة أصبحت محسوبة، وكل ساعة لها مهمة، حتى أصبح الوقت الذي لا نفعل فيه شيئاً يبدو وكأنه وقت ضائع.
ولهذا أعتقد أن الانتماء تصنعه العادة. فالإنسان لا يشعر بأن هذا المكان مكانه لأنه أحبه من أول زيارة، وإنما لأنه عاد إليه عشرات المرات. ولا يشعر أن هؤلاء الناس جماعته لأنهم يشبهونه، بل لأن الأيام جمعته بهم مرة بعد أخرى، حتى أصبح وجودهم جزءاً طبيعياً من حياته.
لهذا كانت الأحياء القديمة أكثر دفئاً؛ لأنها كانت تجبر الناس على أن يلتقوا. فالبقالة، والسوق، والطريق.. كلها كانت تصنع لقاءات صغيرة لا يخطط لها أحد، لكنها كانت تنسج خيوط المجتمع بصمت.
واليوم نعمل من خلف الشاشات، ونتسوق دون حديث، ثم نتساءل: لماذا أصبح الشعور بالوحدة أكثر انتشاراً؟ لأن المجتمع لا يُبنى بالتطبيقات، بل بالتكرار؛ بأن ترى الوجوه نفسها، وتبادلها السلام نفسه، وتجلس معها مرات كثيرة حتى تتحول المعرفة إلى ألفة، والألفة إلى ثقة، والثقة إلى انتماء.
ونحن لا نفتقد كثرة الناس حولنا، بل نفتقد أن يكون لنا مكان نعود إليه باستمرار، وأشخاصاً ينتظروننا دون حاجة إلى مناسبة. وأظن أن هذه هي المعادلة التي غابت عن عالمنا الحديث.
فالانتماء ليس شعوراً يظهر أولاً ثم يدفعنا إلى المشاركة، بل هو نتيجة المشاركة نفسها. ننتمي لأننا نكرر الحضور، لا لأننا شعرنا بالانتماء منذ البداية.
ولهذا، فإن أكثر ما يحتاج إليه مجتمعنا اليوم ليس المزيد من الفعاليات، ولا المزيد من التطبيقات، بل المزيد من الأبواب المفتوحة، والمبادرات البسيطة التي تعيد الناس إلى بعضهم.
المجتمعات لا تتأثر عندما يختلف الناس، بل عندما يتوقفون عن اللقاء.
