قد تكون البطالة أسوأ ما يمكن أن يتعرّض له الإنسان في حياته الفردية والجماعية، ونحن هنا نتحدث عن البطالة كزمن فارغ من الجدوى، لا قيمة له، وإذا كان اختيارياً يكون صاحبه قد وصل إلى أعلى درجات الاكتئاب أو العبث. لكن الحديث بشكل عام لا يدور عن البطالة من دون أن تُرفق بمصطلح آخر، مثل البطالة الاقتصادية، وهي الأكثر شيوعاً، لأنها تؤثر بشكل مباشر في حياة الشخص النفسية والاقتصادية والاجتماعية، وربما العاطفية.
واليوم سنتحدث عن بطالة قد يعيشها المجتمع من دون أن يشعر أو يعي آثارها وهي البطالة السياسية، وهو مصطلح غير متداول على نطاق واسع، رغم انتشاره بشكل أو بآخر في العالم، لاسيّما في الدول النامية، فالبطالة السياسية هي حالة وجود شخص أو جماعة في المجال السياسي من دون أن يكون لهم دور سياسي حقيقي أو قدرة على التأثير، أي أنهم يحتلون موقعاً أو يمتلكون صفة سياسية، لكنهم معطّلون عن الفعل.
وهناك أشكال للبطالة السياسية منها، البطالة الفردية، أي سياسي فقد موقعه وتأثيره، لكنه لم يغادر المشهد، وجماعية، وتعني أحزاباً موجودة شكلياً، لكنها عاجزة عن إنتاج موقف أو تغيير، وهناك البطالة الشعبية، وهي حين يشعر المواطن بأن مشاركته السياسية لا تغيّر شيئاً، فينسحب من المجال العام، وهناك البطالة السياسية القسرية، وهي حين تمنع السلطة أو الظروف السياسية فئة ما من ممارسة دورها. وهناك غياب المشاركة، ويحدث هذا حين يعزف المواطنون عن التصويت والنقاش والانخراط في العمل العام، وبذلك يصبح الفضاء السياسي فارغاً من الفعل الشعبي.
وأصعب أنواع البطالة السياسية تكون في شلل النخب، عندها يتحول السياسيون أنفسهم إلى موظفين بلا مشروع، يكررون الخطاب دون قدرة على التغيير، فينتُج فراغاً فعلياً في القيادة، وهناك بطالة صعبة أخرى تتمثّل في الاستلاب أمام الخارج، وذلك حين تُصادر القرارات من قوى خارجية أو مصالح اقتصادية كبرى، فيصبح الداخل في حالة بطالة، لأنه لا يملك أدوات القرار.
وتتحدث بعض الأدبيات في البطالة السياسية وتقول إن المصطلح يصبح أكثر حدّة إذا قلنا إن البطالة السياسية ليست غياب السياسي عن السلطة، بل غياب الفعل عن السياسي، وهناك من يقول إن البطالة السياسية أخطر من البطالة الاقتصادية، لأنها تعني أن الإنسان فقد دوره كفاعل في صياغة مصيره، وهي حالة من الفراغ الوجودي، حيث يغيب المشروع، وتبقى الشعوب تحت رحمة الأحداث بدل أن تصنعها.
ويحق لنا أن نطرح سؤالاً جوهرياً وهو: هل وجود البطالة السياسية يؤدي إلى بطالة اقتصادية؟.
هنالك آراء في هذا الشأن، البعض لا يربط بين البطالة السياسية والبطالة الاقتصادية، ويدلّل على ذلك بدول لا توجد فيها أحزاب، وليس فقط أحزاب لا تعمل، ورغم ذلك، تشهد نمواً اقتصادياً ونمواً عالياً. وهناك من يرى أن البطالة السياسية تنعكس بالضرورة على البطالة الاقتصادية بسبب غياب المحركات والتشريعات والقرارات، ويضربون مثالاً بدول تعاني سوء التنمية والتخلف لأن أحزابها تتدخل في كل شاردة وواردة، بل وتقتسم المصالح، فيدخل الفساد من الباب الواسع، وتدخل البلاد في كساد مزمن.
وهناك من يرى أن الحروب، وهي شكل من أشكال البطالة السياسية، لأن الدولة باتت تحت إمرة العسكريين، وبذلك، تتسبب الحروب ببطالة اقتصادية عالمية، وهذا ما يحدث الآن في العام 2026 نتيجة الحروب الجارية في الشرق الأوسط، إذ من المتوقع أن يتراجع النمو العالمي إلى نحو 2.5%، مع احتمال هبوطها إلى 2.1% في حال استمرار الأزمة، ومن المتوقع أن يصل التضخم العالمي إلى 3.9% - 4.4% خلال هذا العام، قبل أن يبدأ بالتراجع في 2027. حيث يتوقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل في العالم إلى أكثر من 186 مليون شخص مع نهاية عام 2026، وفق تقرير منظمة العمل الدولية.
وإذا عدنا للبطالة السياسية وتحدياتها سنجد أنها تمثّل أخطر أشكال الفراغ، لأنها تعني غياب الفعل السياسي الفعّال، وتحوّل المجتمع أو النخب إلى متفرجين أمام الأزمات. وأهم تحديات البطالة السياسية تكمن في ضعف المشاركة الشعبية: عزوف المواطنين عن التصويت أو الانخراط في العمل العام، ما يؤدي إلى فراغ سياسي، حيث تتحول السياسة إلى إدارة شكلية بلا قاعدة جماهيرية، ومن أهم تحدياتها أيضاً، شلل المؤسسات، إذ إن تضخم البيروقراطية وتعدد الأحزاب بلا مشروع واضح يخلق حالة من الجمود، حيث تُستهلك الطاقة في المحاصصة بدل الفعل. وهناك أيضاً الأزمات الاقتصادية مثل التضخم، والبطالة، والديون الخارجية، وهذه تضعف ثقة الناس بالعملية السياسية، وتجعلهم يبحثون عن حلول سريعة حتى لو كانت سلطوية. وهناك ممارسات يلجأ إليها النظام السياسي حيث يقوم بإدارة الأزمات بدل الحلول، وهذا يؤدي إلى حالة البطالة السياسية.
البطالة فعل مكروه دينياً ودنيوياً ويسبب الأزمات تلو الأزمات، لذلك تهتم الحكومات دائماً بتوفير فرص العمل، وأعتقد أن هذا التوفير هو في حد ذاته عمل سياسي بامتياز لأثره في الفرد والمجموع، المجتمع والدولة، والحديث ذو شجون.
