من حق الكاتب الصحفي والمحلّل السياسي الابتعاد، قليلاً، عن الأحداث الراهنة، لا سيّما حين لم تعد مفهومة، وأهداف المتقاتلين ضبابية، والحوار الذي يتم بينهم، ويصفونه بمفاوضات سلام، أكثر ضبابية، وأبعد ما يكون عن السلام. ومن حق الكاتب الصحفي أن ينأى بنفسه ليحافظ على منطق لغته، وحكمة رؤيته، وموضوعية عباراته، لأن الحرب تلقي بظلالها على كل شيء، سياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي، وغيرها، حيث إنها تلقي بظلالها السلبية على العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة، بين الزوج وزوجته، بين الأبناء والآباء، وبين المدرّسين والطلاب. ولو كان بالإمكان إبعاد أخبارها وتحليلاتها عن المجتمع، أو على الأقل، عن الأجيال الصاعدة، يكون أجمل وأصحّ نفسياً.
يحاول الكاتب لكنه يجد نفسه بين براثن السياسة من جديد، فكل شيء يدور في حياتنا منبعه السياسة والقرار السياسي، والمجتمعات هي نتيجة لسياسات متعدّدة. وقد فكّرت في موضوع قد يكون غريباً عن الأجواء السائدة، يتعلّق بمجانية الثقافة. وقلت في نفسي إن علينا عدم الخلط بين مجانية التعليم ومجانية العلاج والرعاية الصحية، وبين مجانية الثقافة، لأن ما سبق على صلة بالخدمات التي توفّرها الدولة، بينما الثقافة ليست خدمة تقدمها الحكومة للشعب، أو الناس، لأن أدواتها فردية مكلفة، وذات صلة بالمعرفة، والمعرفة لها أثمان، لأنها لم تتكوّن بالجهد البسيط والسهل، بل نتيجة خطط، وجهود، واستراتيجيات، وضعتها مجموعة من المفكّرين والخبراء، لذلك، حين نفكّر في المعرفة فإننا يجب أن نبتعد عن مجانية الحصول عليها، لأن ثمنها كبير.
ويمكن أن نورد مثالاً على خطورة مجانية المعرفة، بحفلات توقيع الكتب في معارض الكتب، أو غيرها، إذ يتوقّع القارئ الحصول على الكتاب ممهوراً بتوقيع الكاتب مجّاناً، بينما الكاتب استغرق وقتاً وجهداً غير قليل، جسدياً ونفسياً، حتى يخرج هذا الكتاب إلى النور، فبأي حق سيحصل عليه القارئ مجّاناً؟ وحتى لا نكون مصادرين للرأي الآخر، فإن الكاتب قد يفعل ذلك لو كان كتابه مدعوماً من المؤسسة الثقافية أو الحكومة، وهنا يتحول الموضوع إلى قرار سياسي، بتوفير الكتاب مجّاناً للشعب، وهذا الكتاب المدعوم لا شك في أن يلتقي مع الفكر المؤسسي الرسمي. والمثل الثاني يتعلق باللوحة التشكيلية، إذ هناك استهتار باللوحة عن طريق استرخاص ثمنها، وجهد الفنان. وبالمجمل، فإن هذه الأنشطة: توقيع الكتاب، أو بيع اللوحات، أو الدخول لمعرض الفنانين التشكيليين، أو الدخول لحضور أمسية شعرية، ليست مجانية في الولايات المتحدة، وكذلك في معظم الدول الأوروبية، وهناك أحد الشهود الذي روى قصته مع أمسية لمحمود درويش في لندن، حين حاول الدخول وطلبوا منه شراء تذكرة دخول، فصعق، وتسنّى له الوصول إلى الشاعر فقال الأخير إنه لا علم لديه، وهذا لا يعني أنهم أخذوا حقوق الشاعر، بل إن الجهة المنظمة تريد استعادة تكاليف حجز الصالة، والنظام الصوتي، وموظفي التنظيم، وهكذا، بينما لدينا نوجه للحضور دعوات للأمسيات، كل باسمه، ولقبه، فلا يحضر، أو يحضر رفعاً للعتب.
نحن نعلم أن المعرفة حق للجميع، وهناك حكومات توفّرها بالمجان لشعوبها، وهذه الأيام، مع توفّر المنصّات الرقمية، ووسائل التوصال الاجتماعي، والشبكات العالمية للمعلومات، بات من السهل الحصول على المعرفة، ولكن هناك معرفة إبداعية لا تستطيع الحكومات توفيرها باستمرار، إلا إذا دعمت المبدعين، من شعراء وكتاب وفنانين.
أعتقد أن توفير المعرفة الإبداعية واستدامتها في حاجة إلى قرار سياسي، بحيث لا تمانع الحكومة في تنظيم أمسيات شعرية، أو محاضرات تخصصية بمقابل مادي، دعماً للمنتجين، فالمعرفة، ومن بينها الثقافة، والكتاب، سلعة اقتصادية يجب عدم الشعور بالخجل في وضعها في إطارها الصحيح. وهناك من يرى مزايا للدفع مقابل الثقافة، من بينها أن الإنسان ينتقي بعناية ما يستحق أن يدفع لأجله، فيصبح حضوره أكثر تركيزاً، كما أن الدفع يخلق التزاما داخلياً، فلا يكون الحضور مجرد مرور عابر، بل تجربة مقصودة، والأمر الآخر أن الرسوم تساعد الشعراء والفنانين في الاستمرار في إنتاجهم، بدل الاعتماد على الرعايات فقط، وأخيراً، تحويل الثقافة إلى قيمة اقتصادية، وهذا يعزز مكانة الثقافة كجزء من الاقتصاد الإبداعي، إذ إن الدفع يجعل القارئ يشعر أن عليه استرداد قيمة ما دفعه عبر القراءة.
هو حديث في السياسة الثقافية، أو الثقافة السياسية، كلاهما يعتمد على الثقافة، أي المعرفة. صحيح أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقيم مهرجانات ثقافية الدخول إلى معظمها بالمجان، وإن وجدت رسوم فهي رمزية، وعلينا ألا ننسى أن الجهات المنظمة تدفع للفرق الفنية والشعراء والمحاضرين والمتحدثين، ورسوم تذاكر الدخول لا تكفي لسد جزء يسير من التكاليف، وبهذا فإن الحكومة ليست مع مجانية المعرفة، ولا الترفيه، وسياستها تقوم على مكافأة الجهود.
