الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إيران تشتري الوقت... ولكن بالخسارة

27 أغسطس 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 27 أغسطس 00:11 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ثمة قرارات لا تقاس بنتائجها المباشرة فقط، وإنما بما تكشفه عن تحولات أعمق في البيئة السياسية والاستراتيجية المحيطة بها. ومن هذا المنظور يمكن قراءة القرار الإماراتي بوقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، باعتباره رسالة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن. فالإمارات، التي كانت أحد أهم منافذ التجارة وإعادة التصدير لإيران، تنتقل من إبقاء القنوات مفتوحة إلى استخدام الأدوات الاقتصادية رداً على التصعيد الإقليمي.
وتنبع أهمية القرار من طبيعة العلاقة الاقتصادية التي سبقته. فعلى الرغم من الخلافات السياسية والأمنية، ظلت الإمارات، بعد الصين، من أهم الشركاء التجاريين لإيران، وتراوحت تقديرات حجم التجارة بين البلدين حول 25 إلى 30 مليار دولار سنوياً. كما كانت دبي مركزاً رئيسياً لإعادة تصدير السلع إلى السوق الإيرانية، وللخدمات اللوجستية والمالية المرتبطة بها. ولذلك، فإن أثر القرار لا يرتبط فقط بقيمة التجارة التي ستتوقف، وإنما بإغلاق إحدى القنوات المهمة التي استخدمتها إيران لتأمين الواردات والوصول إلى الأسواق الخارجية وتخفيف آثار العقوبات.
ومن ثم، يأتي القرار الإماراتي ليجعل شراء الوقت أكثر كلفة بالنسبة إلى طهران. فهي لا تواجه فقط خسارة جزء من تجارتها مع الإمارات، وإنما ارتفاع كلفة تجارتها الخارجية، واضطرارها إلى البحث عن طرق وقنوات بديلة للحصول على السلع والخدمات والتمويل.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا تبدو طهران مستعدة لتحمل المزيد من الضغوط بدلاً من الذهاب إلى تسوية تفاوضية مع الولايات المتحدة؟ بل لماذا تصّر إيران على عدم الالتفات إلى الجوانب الاقتصادية الأمنية والسياسية والاجتماعية في ثمن الحرب والتركيز فقط على الأثر الإعلامي الدعائي لتلك الحرب، فهل ادعاء الصمود أمام الولايات المتحدة يستحق التضحية بمصائر البلاد والعباد؟
قد يكون أحد التفسيرات أن إيران تحاول شراء الوقت. غير أن المفارقة أن الوقت الذي تشتريه طهران لا يبدو مجانياً، إنها تشتريه من احتياطاتها، ومن عملتها، ومن قدرتها على تمويل اقتصادها، ومن مستوى معيشة مواطنيها، بل من مستقبل استقرار الدولة الإيرانية ذاته.
فالبنك الدولي يقدر أن الاقتصاد الإيراني انكمش بنسبة 2.7% في السنة المالية 2025/2026، مع استمرار الضغوط نتيجة تضرر البنية التحتية واضطراب التجارة وتراجع الاستثمار وارتفاع التضخم وانخفاض الدخول الحقيقية. وتشير تقديرات أحدث إلى أن التضخم قد يقترب من 70%، فيما يتجه الاقتصاد إلى انكماش يتجاوز 5% في ظل الحرب والحصار. كما سجلت العملة الإيرانية تراجعاً تاريخياً عند أكثر من مليوني ريال مقابل الدولار، كما تسبب الحصار الأمريكي في أزمة وقود خانقة في إيران.. بالتزامن مع شلل شبه كامل في القطاع المصرفي.
لكن الخسارة لا تتوقف عند الداخل الإيراني، وإنما تمتد إلى شبكة العلاقات التي اعتمدت عليها طهران طويلاً لتخفيف أثر العقوبات.
كانت الصين الرئة النفطية الأهم لإيران، فقد استوردت نحو 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني في 2025، وكانت تستوعب أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية. لكن تداعيات الحرب والحصار بدأت تغير المعادلة، إذ هبطت الإمدادات الإيرانية المتجهة إلى الصين إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس، مقابل متوسط بلغ 1.4 مليون برميل يومياً العام الماضي. والأخطر أن المصافي الصينية بدأت تبحث عن بدائل من البرازيل والعراق، بينما زادت الصين مشترياتها من النفط الروسي إلى نحو 1.25 مليون برميل يومياً. وهكذا لا تتقلص صادرات إيران فقط، وإنما يعاد تشكيل سوق الطاقة الآسيوية على حسابها.
وفي العراق، بدأت العلاقات الاقتصادية الإيرانية تتعرض لاختبارات متزايدة. فالعراق يشتري من إيران ما قيمته نحو 4–5 مليارات دولار سنوياً من الغاز، لكن اضطراب الحرب والحدود وطرق التجارة يدفع بغداد إلى البحث عن بدائل استراتيجية، بما في ذلك زيادة الإنتاج النفطي وتطوير طرق تصدير لا تمر عبر مضيق هرمز.
أما روسيا، التي يفترض أنها من أهم شركاء طهران في مواجهة الضغوط الغربية، فتستفيد جزئياً من تراجع النفط الإيراني، فزيادة الصين مشترياتها من الخام الروسي تعوض موسكو عن جانب من الخلل الناجم عن انخفاض الإمدادات الإيرانية. ليست هذه قطيعة روسية أو صينية مع إيران، لكنها تكشف حدود الشراكة عندما تصطدم الجغرافيا السياسية بالمصالح الاقتصادية.
لذلك، فإن رهان طهران على الانتظار يحمل مفارقة قاسية. فقد تراهن على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر، وعلى الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر، أملاً في تغير البيئة السياسية والتفاوضية.
لكن الاقتصاد لا ينتظر الانتخابات. والتضخم لا ينتظر نتائج الكونغرس. والأسواق لا تنتظر تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة. قد تكسب إيران وقتاً سياسياً، لكنها تخسر وقتاً اقتصادياً، وتفقد تدريجياً بعض هوامش المناورة مع أقرب شركائها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أمام طهران ليس: كم تستطيع أن تنتظر؟ بل: كم يستطيع الإيرانيون، واقتصاد إيران، وشركاؤها الإقليميون والدوليون، أن يدفعوا ثمن هذا الانتظار؟
إن شراء الوقت ليس دائماً انتصاراً على الخصم، بل أحياناً يكون مجرد تأجيل للخسارة... بسعر أعلى.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة