الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

خلفيات التوتر التركي الإسرائيلي في سوريا

27 أغسطس 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 27 أغسطس 00:09 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لطالما شكلت سوريا مسرحاً لتوترات إقليمية مؤثرة، وما زاد من هذا الواقع سقوط النظام السوري، ونشوء واقع جديد أسهمت العديد من الأسباب والعوامل في تكوين بيئة تنافسية لقوى إقليمية نافذة في المنطقة، من بينها تركيا وإسرائيل، بعد ضمور الدور الإيراني في المنطقة. وفي الواقع لم يعُد التوتر التركي الإسرائيلي مجرّد احتكاك عابر، بقدر ما هو محاولة وضع قواعد لكلا الطرفين في رسم نموذج إقليمي جديد، يحدد الدور والنفوذ في منطقة تعتبر الأشد حساسية في الشرق الأوسط.
لقد تبدلت بعد الصور والمواقف من القوى الفاعلة في المنطقة، من بينها أنقرة وتل أبيب، إذ باتت الساحة السورية مركزاً لتحديد وتثبيت سياسات تبدأ بالأمن، ولا تنتهي بالسياسة والاقتصاد، لا سيما وأن هاتين القوتين تعتبران قوتين مركزيتين، في الشمال السوري وجنوبه، وبالتالي، مدخلاً حيوياً للتأثير، وتثبيت القواعد الحاكمة للمصالح الحيوية لكلا الطرفين.
واللافت أن التطور الأخير الذي حدث بقيام إسرائيل بتنفيذ ضربة جوية على مطار أبو الظهور أرادت منه تل أبيب اعتباره عنواناً جديداً لطبيعة التعاطي مع أيّ طرف يتطلع لنفوذ ما، في الساحة السورية، وهو أمر سعت تل أبيب إلى تكريسة، وبقوة، بعيد سقوط نظام الأسد، وقيامها بمجموعة إجراءات، منها عسكرية، لإنشاء واقع جديد تبدو فيه سوريا مكاناً ضعيفاً غير قادرة على التأثير في أيّ مسارات محتملة، كما تعمل أنقرة على ترسيم قواعد مماثلة أبعادها حماية حدودها الجنوبية التي تصل الى 900 كلم، والتي طالما شكلت محلاً لخوف من اعمال تعتبرها إرهابية، وتؤثر مباشرة في أمنها القومي، ومع قيام الإدارة الجديدة في دمشق ترى أنقرة أن ثمة دوراً يمكن أن تلعبه في حماية العلاقات التركية السورية، ومن هذا المنطلق أسهمت انقرة في دعم الإدارة الجديدة في سوريا، بحيث بدت مكاناً يمكن الاتكال عليه في حدود ومواقع مقبولة. وفي هذا السياق، تطورت العلاقات التركية السورية لتشمل التعاون الأمني والعسكري، من خلال إعادة بناء المؤسسات السورية، في المجالات الاقتصادية والطاقوية، ما يعكس رغبة في توسيع المجالات لادوار تركية بعيدة المدى.
إن انتقال تل أبيب الى مسار تصعيدي في غارة قاعدة أبو الظهور، يعني رغبة إسرائيل في الانتقال الى مستوى آخر في تصعيد المواقف، وهي نقطة استراتيجية تحاول اسرئيل تثبيتها، وهو انتقال نوعي في طبيعة العلاقة التي تسعى إليها اسرئيل، في ظل سعي الولايات المتحدة لتشكيل بيئة تحدّ من توتير العلاقات التركية الإسرائيلية.
وعلى الرغم من التصعيد القائم حالياً، فالجانبان يسعيان عملياً، لتجنب التصعيد الواسع، وبالتالي ثمة رغبة إسرائيلية في إبقاء حدود التصعيد في إطار الردع والنفوذ، وليس الوصول الى حرب مفتوحة.
ومع سعي إسرائيل إلى وضع حدود للوجود العسكري التركي، خصوصاً في المناطق القريبة من مجالها الأمني، تسعى أنقرة الى تثبيت وجودها في شمال ووسط سوريا، ودعم المؤسسات العسكرية والأمنية السورية، وعليه، إذا استمر هذا الواقع فسيتلاشى الواقع السوري بين قوتين، شمالاً وجنوباً، تسعيان لتأمين واقع استراتيجي يثبت احترام مصالحهما المتبادلة على الأراضي السورية.
خلاصة القول، أن حدود التوتر التركي الإسرائيلي ليست مرتبطة بالجغرافيا، بقدر ما هو متعلق بالنظام الإقليمي الجاري تشكيله في المنطقة، فتركيا تسعى الى علاقات استراتيجية مع سوريا، فيما تسعى إسرائيل الى إبقاء سوريا دولة ضعيفة، لا تشكل أي خطر على أمنها الإقليمي.
لقد بات التوتر التركي الإسرائيلي في سوريا واقعاً موجوداً، وبات السؤال هو في كيفية ضبط هذا الواقع، والقدرة العملية على احتوائه، في المبدأ لا تزال الولايات المتحدة تعمل على ضبط الأوضاع، وعدم السماح لتفجيرات واسعة، وإلا سيكون الواقع السوري محلاً لتوسع التوتر والتنافس التركي الإسرائيلي، الأمر الذي سيجعل من سوريا منطقة للتجاذبات والصراعات، غير معروفة الحدود والنتائج.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة