«كلٌ يرى الناس بعين طبعه»، حكمة عربية مشهورة وتعني أن الإنسان يرى أو يحكم على الآخرين بناءً على صفاته وأخلاقه ونواياه الشخصية الداخلية، ويسقط معتقداته وسلوكياته على تصرفات من حوله، فمثلاً النقي يرى الناس طيبين، بينما الخبيث يراهم سيئين ويعمم ذلك على الجميع.
ومن العلامات الدالة على الإسقاط النفسي، أن يجد الشخص نفسه يكرر اتهام أشخاص مختلفين، في مواقف متفرقة، بنفس الصفة السلبية، كأن يصف الجميع بالكذب أو الأنانية، فتكرار هذا الاتهام مع اختلاف الأشخاص والظروف وبشكل مستمر، مؤشر قوي على أن هذه الصفة قد تكون كامنة في نفسه هو، وأن عقله يرفض مواجهتها والاعتراف بوجودها فيه، فيسهل عليه إسقاطها على غيره بدلاً من مصارحة نفسه بها.
والإسقاط النفسي هو المفهوم العلمي الدقيق الذي يفسر هذه الحكمة «كلٌ يرى الناس بعين طبعه»، وهو الحيلة الدفاعية والعقلية التي ينسب فيها الفرد عيوبه السيئة إلى الآخرين لحماية نفسه من الشعور بالذنب، وتبرئه ساحته قبل أن يتهمه الآخرون بها.
ويُصدق ما اعتاد عليه من توهّم ويعيش في وهم عقله، ويصدق هذا الوهم تماماً لدرجة أنه يعامل الناس بناءً على تخيلاته المريضة لا على أفعالهم الحقيقية. ومن وقع في شرك هذا الشخص الإسقاطي، الذي يُسقط عيوبه على الآخرين بشكل مستمر، عليه أن يثق بنفسه ويتأكد بأن هذا الشخص الإسقاطي الماكر لن يراك نقياً أو جيداً مهما فعلت، وعليه ألا يلتفت لهذا الاتهام، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومعرفة عيوبه والاعتراف بها وتحسينها.
وهناك من الناس الطيّبون الذين يحسنون الظن بالآخرين، وقد قال فيهم أبو العتاهية:
وَالمرءُ يَعرفُ في أَنَامِ طِبَاعِهِ... وَيَرى بَعينِ طِبَاعِهِ مَن يَصْحَبُ
ولهذا على كل شخص يردد ويطُلق صفة سلبية باستمرار على الآخرين، عليه أن يقف قليلاً ويسأل نفسه هل هذه الصفة حقيقية أم موجودة بداخلي ولا أريد الاعتراف بوجودها؟ وبهذا الوعي، فإنه تدريجياً سيدرك الشخص وقبل إطلاق الأحكام والاتهامات على الآخرين أن ينتبه لنفسه، ويُعيد نظرته وظنه بالآخرين، ويُصبح قادراً على رؤية الجمال في الآخرين بدلاً من إسقاط ظلامه الداخلي عليهم، فصفاء النفس مرآة صافية تعكس الحقيقة كما هي. فنحن لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نحن.
