هل من الصعب أن تتناغم الهويات اللغوية وتتجاوب، في رحاب الخريطة العربية؟ مجموع قرون الحضارات والثقافات واللغات، التي سادت وشعّت من هذه الديار، على كل الأصقاع، بروائع الإبداع، يُقدّر بثلاثين ألف سنة. جولة وجيزة المشوار، في الشبكة، تكفي لتكدير النفس، بأن تلك الأواصر الجذورية العريقة، باتت كالعرجون القديم، لا رواء ولا ارتواء، سوى أن ما يرتجى من علائقها من عطاء بديع، لاح مثل بقايا جمار علاها الرماد.
سنة 2010، كان أحد عناوين هذا العمود: «الآرامية في الثانوية، لمَ لا؟» لم تكن العربية والآرامية مثل الخطين المتوازيين، بدليل الاشتراك في الجذور، وحتى الآن، لم يتوصل أهل الاختصاص، إلى الأصل الذي نمت منه شجرة اللغات الساميّة. عجيب أن الغصن الأقل حضوراً في الحضارة والتاريخ، سطا على الشجرة، حتى لم يبق للشركاء حق في التسمية، فإذا توهموا خيراً في مقولة: «ما ضاع حق وراءه مُطالب»، فوجئوا بضدها: «أضيع من الأيتام، في مأدبة اللئام».
طلّاب الفرع الأدبي في الثانويات الفرنسية، يختارون، إجبارياً، تعلّم اليونانية أو اللاتينية، لأنه يتعذر الإلمام بقواعد اللغة الفرنسية، والتأصيل الصحيح للمفردات، من دون إحداهما، والمتدرجون في الفرنسية وآدابها، لا يستغنون عن الجمع بينهما. أهل العمل المعجميّ، يضيفون الألمانية. من دعابات اللغوي المجمعي الفرنسي الراحل آلان ري، أن «كلمة فرنسي هي ذاتها ليست فرنسية»، لأنها نسبة إلى الفرنكيين، المنحدرين من شمال هولندا.
اللغويون العرب، زاهدون في المعامع الجدلية، لهذا تستعر حلبات التواصل، وكأن بين العربية والآرامية خصومةً، أو ثأراً، أو سلب حقوق تركة وإرث. مؤسف أن من هم بلا بضاعة يتعالمون ويوهمون غير العارفين بأن هراءهم بحوث علمية. السريان أسدوا أجلّ الخدمات بنقل علوم اللغات الأخرى إلى العربية، منذ أواخر القرن الهجري الأول، في عهد خالد بن يزيد بن معاوية، وكان الأوج في العصر العباسي، بتأسيس «بيت الحكمة». اللغات كانت متصالحة، لا تشهر سيفاً ولا ترمي بمقلاع. من المساوئ ظهور فلتات انفعالية، عليها حلل قشيبة طاووسيّة، مثل مؤلفات الليبي الراحل د.علي فهمي خشيم، الذي لم يدع لغةً على الكوكب، إلاّ ووضع عليها ملصق العربية. تملّك مجّاني. القضية ليست: العربية أقدم أم الآرامية السريانية؟.
لزوم ما يلزم: النتيجة العدلية: الحلّ عند القلم: إذا كان أخوك قد وُلد قبلك، أو أنت وُلدت قبله، فهل يلغي أحدكما الآخر؟.
