أحياناً من دون مقدمات يسألنا أطفالنا: لماذا السماء زرقاء، ولماذا ينام الناس، ولماذا يقول الكبار هذا ولا يقولون ذاك؟ الطفل لا يسأل ليحصل على درجة دراسية، ولا ليبدو ذكياً أمام الآخرين، بل لأن الفضول لديه في أعلى مستوياته. ثم يكبر، فتقل أسئلته عاماً بعد عام، حتى يصير من النادر أن يسأل عن شيء لا يحتاج إليه في عمله أو في معاملاته اليومية، مثلنا نحن الكبار.
البعض ينظرون إلى الفضول على أنه شيء غير أساسي، شيء يمارس في وقت الفراغ، بعد أن تنتهي الأمور الجادة. فمن يقرأ في موضوع لا علاقة له بتخصصه يقال له إنه يضيع وقته، ومن يسأل عن تفصيل لا يخصه قد يعد متطفلاً أو مزعجاً، وهكذا يتقلص السؤال شيئاً فشيئاً حتى يصير مقتصراً على ما ينفع مباشرة وفي حينه فقط.
في أواخر القرن السادس عشر، ختم الكاتب الفرنسي ميشيل دو مونتاني كتابه «المقالات» بمقالة سماها «في التجربة»، تحدث فيها عن الطرائق التي يبلغ بها الإنسان المعرفة. وقد افتتحها بقوله: «ما من رغبة أشد طبيعية من الرغبة في المعرفة. نجرب كل السبل التي تقودنا إليها، وحين يخذلنا العقل نستعين بالتجربة، وهي وسيلة أضعف وأقل شأناً. لكن الحقيقة أمر عظيم إلى حد أنه لا ينبغي لنا أن نزدري أي وسيلة توصلنا إليها».
الكلمة المهمة في العبارة هي «طبيعية». فمونتاني لم يضع الرغبة في المعرفة في مرتبة الهوايات التي تمارس عند الفراغ، بل في مرتبة ما تطلبه الطبيعة نفسها، فالسؤال والفضول بهدف زيادة المعرفة ليس زيادة على الحاجة، بل هو أصل أساسي. والغريب في نظره ليس أن يسأل الإنسان، بل أن يتوقف عن السؤال.
هذه الكلمات ليست دعوة للتدخل في ما لا يعني، أو لكثرة الأسئلة في غير مواضعها، أو لإزعاج الآخرين.
الفضول قد يقودك إلى قراءة مقالة أو كتاب أو البحث عن إجابة في الإنترنت، إنما يجب الحرص على أن يكون الفضول صفة طبيعية نحافظ عليها ونقوم بتنميتها داخلنا، وأن لا نسمح للأمور بأن تمشي من أمامنا ونحن لا نعرف أي شيء عنها من دون أي تساؤل أو بحث. الفضول ليس ترفاً إنما هو أساس للتطور وزيادة المعرفة وتبادلها.
