لطالما ردّد العالم أن على الدول أن تختار: إما أن تركض نحو المستقبل فتفقد هويتها، وإما أن تتمسك بماضيها فيسبقها الزمن. أما الإمارات، فلم تؤمن بهذه المعادلة يوماً. فإن كان الذكاء الاصطناعي محركاً هائلاً، فإن هويتنا هي البوصلة، وهذه الأرض لم تترك يد أيٍّ منهما يوماً.
في المدارس الحكومية في مختلف أنحاء الإمارات، يبدأ أطفالنا رحلة جديدة مع الذكاء الاصطناعي، من طفل في الرابعة بين مقاعد الروضة، إلى شاب وشابة على أعتاب التخرج. فبعد إدراجه مادةً دراسية عبر جميع المراحل التعليمية الحكومية، تمتد مبادرات تعليمه اليوم إلى عدد من المدارس الخاصة، في خطوة تعزز مكانة الإمارات بين الدول الرائدة عالمياً في إعداد أجيالها لعصر الذكاء الاصطناعي. إنه قرار لا يستثمر في التكنولوجيا فحسب، بل يستثمر في الإنسان.
وتتجلى قيمة هذه الرؤية حين لا يقدم الذكاء الاصطناعي بوصفه مادة جامدة معزولة عن الإنسان، بل أداة تقترن بالإبداع والتفكير والتطبيق. فالمهم ليس مقدار ما يحفظه الطالب عن التقنية، بل ما يستطيع أن يبتكره ويصنعه بها. وكأن الرسالة تقول إن الإبداع سيبقى أعظم ما يميز الإنسان، وإن الآلة ليست سوى أداة في يده، لا بديل عنه.
تخيلوا جيلاً يبدأ التعرف إلى الذكاء الاصطناعي منذ سنواته الأولى. سيكبر وهو يمتلك أدوات لم تكن متاحة لأعظم العقول قبل عقود، لكنه سيحمل معها ما هو أهم: القدرة على التفكير، والتمييز، وحسن الاختيار. فالقيمة ليست في امتلاك الأداة وحدها، بل في معرفة كيف، ولماذا، ومتى تُستخدم.
كثير من الدول ستعلّم أبناءها الذكاء الاصطناعي، لكن القليل منها سيعلّمهم كيف يستخدمونه وهم أكثر وعياً بأنفسهم وهويتهم. فالذكاء الحقيقي لا يبدأ من سرعة الوصول إلى الإجابة، بل من حسن اختيار السؤال. وحين نضع بين أيدي أبنائنا أقوى أداة عرفها الإنسان، ونمنحهم في الوقت نفسه القيم التي تهدي استخدامها، فإننا لا نعدّهم لوظائف المستقبل فحسب، بل نعدّهم لقيادته.
هذه ليست دولة تركض خلف المستقبل، بل دولة تبنيه.
