يقول المثل العربي: «ما أشبه الليلة بالبارحة» أو ما أشبه اليوم بالأمس، وهي عبارة تستخدم عند رؤية أزمات أو صراعات معاصرة تتطابق ظروفها مع ما حدث في التاريخ القريب أو البعيد، وكأن التاريخ يعيد نفسه، وهذا في الواقع ما يمكن أن ينطبق على المشهد الفلسطيني الدامي منذ نحو ثمانين عاماً، ولا سيما فلتان الإرهاب اليهودي المستعر حالياً في الضفة الغربية، حيث تتجلى وحشية الاحتلال العنصري الإسرائيلي والمستوطنين اليهود بأبشع صورها هناك.
فالاعتداءات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لا تبدو مجرد حوادث متناثرة يمكن فصل بعضها عن بعض، فالهجمات على القرى والمنازل والمزارعين، وإحراق الممتلكات والأشجار، والاعتداء على السكان والصحفيين، وغيرها من الجرائم الهادفة إلى دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، باتت جزءاً من مشهد متكرر يثير قلقاً دولياً متزايداً، رغم غياب المواقف الجدية اللازمة لوقف هذا الجنون الإرهابي.
ففيما ينشغل العالم بحرب إيران والولايات المتحدة، وتداعياتها السياسية والاقتصادية، تتغير خريطة الضفة الغربية بصمت وبسرعة لافتة، وبشكل خاص في المناطق المسماة (ج)، الخاضعة للسيطرة الأمنية والإدارية لسلطات الاحتلال حسب اتفاق أوسلو، التي تقدر مساحتها ب61% من مساحة الضفة الغربية، والتي ظلت لسنوات مطمع أقصى اليمين الإسرائيلي، حيث تم استغلال هذه المنطقة من أجل التوسع في المشاريع الاستيطانية، والتضييق على التجمعات السكانية الفلسطينية، وتقويض الظروف المعيشية للفلسطينيين عبر منعهم من استغلال الأرض ومواردها، وحرمانهم من تراخيص البناء وعدم تمكينهم من إصلاح وترميم مساكنهم، والتضييق على تنقلاتهم، بفعل امتداد الجدار الفاصل والحواجز العسكرية والمتاريس المنتشرة على الطرق في كل مكان، ما يحرم المواطنين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم، ناهيك عن ملاحقتهم المتواصلة من قبل المستوطنين المتطرفين الصهاينة وقوات الاحتلال، إذ وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة أكثر من 1540 اعتداءً للمستوطنين في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026 حتى نهاية شهر أغسطس/ آب.
ويؤكد تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في شهر يونيو/ حزيران الماضي أن إسرائيل هجّرت كلياً أو جزئياً 117 تجمعاً فلسطينياً بدوياً ورعوياً في الضفة الغربية بين عامي 2023 و2026، وأشار التقرير الصادر بعنوان «محو كل ما هو فلسطيني» إلى التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل ضد التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية، واصفاً ممارسات المستوطنين بأنها مدعومة وممولة ومحمية من قبل الدولة وسياساتها الرسمية بهدف تهجير الفلسطينيين، في حين قالت «هيومن رايتس ووتش» إن سلطات الاحتلال الإسرائيلية أخفقت في محاسبة كثير من المعتدين، ما أدى إلى شعور واسع بالإفلات من العقاب.
بعد ما يقرب من ثمانية عقود على بداية النكبة، نجد أنفسنا أمام مشهد لم يختلف كثيراً، حيث ينشط مئات الآلاف من المستوطنين اليهود المتطرفين، الذين يمارسون أبشع أنواع الاعتداءات على المزارعين الفلسطينيين ما ساهم في دفع فلسطينيين إلى النزوح، في ظل انعدام المحاسبة، الأمر الذي يشجع على استمرار هذه الظاهرة.
إن عنف المستوطنين المدعوم من قوات الاحتلال يهدف إلى إخافة السكان الفلسطينيين، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وتدمير مصادر رزقهم، لدفعهم إلى ترك منازلهم، وتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي بالقوة والخوف.
وهنا تكمن خطورة ظاهرة المستوطنين المتطرفين، التي لا تختلف كثيراً في أفعالها عن منظمات الهاغانا وشتيرن وليحي، وأخطر ما في هذه الظاهرة أن المعتدين من المستوطنين مطمئنون إلى أنهم لن يدفعوا ثمن أعمالهم، ولو بالإدانة.
فالعدالة التي تكون لطرف من دون آخر ليست عدالة، والأمن الذي يقوم على إخافة شعب كامل لا يمكن أن يصنع سلاماً دائماً، وإنما هو مقدمة لصراعات لا تنتهي، فالتاريخ يثبت أنه مهما تعاظمت قوة الاحتلال تبقى عاجزة عن قهر الشعوب وكسر إراداتها عندما تكون مؤمنة بقضاياها.
