الكارثة الإنسانية التي شهدتها نيبال وخلفت مئات القتلى وآلاف المفقودين ليست نتيجة تسونامي سببه زلزال كما اعتُقد في البداية. فالفيضانات المدمرة كانت من نهر روافده في جبال الهيمالايا التي تذوب ثلوجها لتغذي الأنهار إلى الأودية في سفوح الجبال. فنيبال في النهاية لا تطل على أي بحار كي تشهد تسونامي نتيجة زلزال.
بعد وقوع الكارثة كشف علماء البيئة والطبيعة أن سبب الفيضان انهيار جليدي في قمم جبال الهيمالايا أدى إلى فيضان غير مسبوق ليس للمياه فحسب وإنما للصخور والتربة المتجمدة، كان سبباً في الكارثة. ذلك الانهيار للمياه من الثلج الذائب وما معه من صخور وما بدا من «انهيار أرضي» كان من القوة ما جعل ارتطامه بالسفح يجعل الناس تشعر أنه زلزال.
تعيد كارثة فيضان نيبال للناس حول العالم مخاطر التغيرات المناخية التي قل الاهتمام بمكافحتها مؤخراً. ولأن جبال الهيمالايا، ومنها قمة التيبت، تقع ما بين الصين والهند وهما أكبر قوتين صناعيتين الآن فهي تتعرض لتأثير الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري بقوة.
يحذر العلماء منذ ما قبل اتفاقية باريس للمناخ عام 2015 من أن الانهيارات الجليدية هي أحد الأضرار الجانبية الناجمة عن الاحتباس الحراري ولها تبعات من ارتفاع منسوب البحر والمحيطات إلى الإخلال بالتوازن البيئي خاصة مع ذوبان جبال الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية.
لكن المصيبة الأخيرة لم تأت من البحار، وإنما من فيضان أنهار وإن كان الأصل هو ذوبان جبل جليدي على قمة تلال عالية. صحيح أن الانهيارات الجليدية سبق وسببت فيضانات من جبال الألب في سويسرا وإيطاليا، لكنها لم تكن بهذا الحجم الكارثي. حتى نيبال ذاتها شهدت العام الماضي فيضانات نتيجة ذوبان بحيرة جليدية في التيبت. وإن كان انهياراً جليدياً من جبال اليهمالايا أيضاً أدى إلى فيضانات قتلت نحو مئتي شخص في الهند عام 2021.
يرجح العلماء أن الفيضان الكارثي في نيبال كان بتلك الشدة والخطورة المدمرة لتضافر الذوبان الجليدي نتيجة التغير المناخي مع ظاهرة جيولوجية ناجمة عن احتكاك الصفائح الأرضية التي تزيد ارتفاع الجبال. ومع أنه حتى الآن يصعب الربط بين تلك التغيرات الجيولوجية والتغير المناخي، إلا أن ذلك ليس مستبعداً أيضاً.
على طريقة تفكير القدماء وفي الأساطير، من الواضح أن الطبيعة غاضبة على البشر بسبب سلوكهم على الأرض. فهم يلوثون المناخ بالانبعاثات الكربونية وغيرها ويجورون على الأرض باستغلالها بدون مراعاة للطبيعة. ومع أن البشرية اعتادت على مر تاريخها أن تجد طريقة لتطويع الطبيعة في سياق تلبية الاحتياجات البشرية المتزايدة إلا أن سمة عصرنا الحالي هي «الاستسهال» وأحياناً «إنكار» أن ما نفعله بالأرض غير مستدام.
رغم المآسي الإنسانية التي خلفها فيضان نيبال الكارثي، يأمل علماء البيئة والطبيعة أن يكون ذلك جرس إنذار للبشرية لعدم التكاسل عن مكافحة التغيرات المناخية والاستهانة بغضب الطبيعة كرد فعل على سلوك البشر.
إن تطور العلم وتقدم التكنولوجيا كفيل بجعل «تطويع» الإنسان للطبيعة أكثر سهولة، حتى وإن كانت التكنولوجيا المتطورة تستهلك كميات هائلة من الطاقة بما يسهم في زيادة الانبعاثات المسببة للتغير المناخي. وهنا يحتاج الأمر إلى الانتباه لمسألة التوازن في الطبيعة بين احتياجات البشر وجعل الحياة على الأرض مستدامة.
حين تعلّم الإنسان البدائي الصيد وإشعال النار لطهو طعامه والتدفئة راعى بفطرته ألا يجور في الصيد لتتكاثر حيوانات وطيور البرية فيجد دوماً ما يصطاده لإشباع حاجاته الأساسية. كذلك الأمر مع النار، وأول وقود استخدمته البشرية من حجر وحطب. صحيح أن سكان الأرض كانوا قلائل والآن أصبحوا بالمليارات لكن المفترض أنه مع زيادة السكان تطورت أيضاً العقول وإبداع البشر في استغلال الطبيعة بشكل مستدام.
إذا كانت نيبال دولة فقيرة فإن تطرف الطبيعة لا يميز بين غني وفقير، ولا دولة نامية ودولة متقدمة. ولعل زيادة حدة الأعاصير التي تضرب الولايات الجنوبية من أمريكا وما تسببه من دمار مثال قوي لذلك، لذا فإن مواجهة تلك الكوارث بالحد من أسبابها هي مهمة للبشرية جمعاء.
