في صيرورة ارتقاء لم تتوقف بعد، تمكن العقل البشري، بما طوره من علوم تجريبية خصوصاً الفيزيائية، ومن تطبيقات تكنولوجية خصوصاً الفضائية، من تحقيق سيطرة أوسع على الطبيعة، خرج الإنسان بفضلها من أسر كوكبنا الأرضي، إلى فضاء الكواكب القريبة، محاولاً فهم المعمار الكوني، وربما الاستثمار فيه، حيث جرى الهبوط على سطح القمر قبل ستة عقود ونيف، وبات تنظيم الرحلات السياحية إلى المريخ أمراً ممكناً منذ سنوات.
لكن المؤسف، أن ذلك الإنسان، الذي نمت قدرته على اكتشاف ممكنات الحياة على الكواكب الأخرى، ازداد عجزه في المقابل عن العيش الآمن في كوكبه الأصلي. لذا نجد أن أشواقه لزراعة المريخ والسياحة على وجه القمر تترافق وسلوكياته الخطرة التي تهدد بحرق الأرض وتدمير ممكنات زراعتها والسياحة فيها. نعم أعطانا نمط الحياة الحديث الكثير من الأشياء: مرافق حياة أساسية أكثر تطوراً، وتنظيمات اجتماعية أكثر رسوخاً، ومؤسسات للعدالة والعقاب أكثر فاعلية، وأشكال للترفيه أكثر جاذبية، ما يعكس مسيرة التقدم المادي. لكنه، وفي المقابل، أجج لدينا مثالب كالجشع الفردي، والتناقض الطبقي، والتحيز الدولي، فجعل منها معاول هدم وأدوات هدر وقيوداً حديدية تعوق حركة التقدم الروحي والأخلاقي نحو العدالة والحرية والسلام.
ومن ثم تبدو حاجتنا الشديدة، أكثر من أي وقت مضى، إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي يحلو لي أن أصفه ب«أبو» العقل الإنساني، كونه صاحب النسق الفكري الأكثر شمولاً واتساقاً، الذي يمتد من تأسيس المعرفة على قاعدة النقد، إلى تأسيس الأخلاق على قاعدة الواجب، إلى تأسيس السلام العالمي على قاعدة العدالة. إنها المهمة التي لم يقترب منها فيلسوف مثل هيجل، نجح في أن يقدم لنا نسقاً فلسفياً يبدو جذاباً من خارجه، لكن الغوص داخله يكشف كم كان واسعاً وفضفاضاً، ممتلئاً بالثقوب إلى الحد الذي سمح بتغلغل النزعتين: الشمولية والعنصرية فيه، وهو ما تجلى في تمجيده للدولة البروسية، وفي قدحه للأعراق والديانات المختلفة خصوصاً العرق الأسود.
في كتابه: «الدين في حدود مجرد العقل»، أكد كانط على أن مفهوم الأخلاق الكونية هي الابنة الطبيعية للعقل المجرد، بما أن الكوني الوحيد فينا هو عقولنا. ومن ثم أسس نزعته الإنسانية على ثقته في الطبيعة البشرية، رافضاً أي حديث عن فسادها من أثر الخطيئة الأولى كما أصر الفكر المسيحي التقليدي، فلا يوجد إنسان ولد شريراً بطبيعته، أو خيراً بطبعه، فالقضية تتعلق بإمكان استعمال الحرية حسب مقتضيات الواجب الأخلاقي، حيث ينجح البعض فيحققون أخلاقيتهم، ويفشل البعض فيفقدون تلك الأخلاقية. وعلى هذا لا تكون الخطيئة الأولى هي أصل الشر، بل إن إرادة الإنسان هي مناط الشر والخير معاً. فالإنسان الذي يستعمل عقله بطريقة مثلى، وبحرية خالصة لا يشوبها قهر، ويلتزم بما ينتج عن هذا الاستعمال من نتائج، لن يكون فقط حراً، بل سيكون أخلاقياً، وربما مؤمناً فاضلاً، وتلك هي غاية التنوير الحقيقي، أي مساعدة الإنسان على الانتقال من الإيمان النظامي-الكهنوتي إلى الإيمان الروحي- الحر.
انطلاقاً من نزعته الإنسانية ونظامه الأخلاقي، دعا لتأسيس نظام عالمي، لا يمكن أن ينشأ إلا إذا قمنا بتمديد الالتزام الأخلاقي للفرد كإنسان من مجرد الشعور بالمسؤولية إزاء الأفراد الآخرين في مجتمعه، إلى الشعور بالمسؤولية إزاء البشر جميعاً بغض النظر عن معتقداتهم وأوطانهم. اقترح كانط في كتابه الأثير «مشروع للسلام الدائم» 1794، ثنائية الديمقراطية والسلام كأفضل قاعدتين للتعايش الإنساني. الأولى تؤسس لمنظومة تشريعية تسيّر الشؤون الداخلية للمجتمع الواحد على أساس الحرية وصولاً إلى الديمقراطية. والثانية تؤسس لمنظومة قانونية تسير العلاقات بين الأمم على أساس العدالة وصولاً إلى السلام، مؤكداً أنه لا يمكن تحقيق الحرية داخل الأمم ما لم يتحقق السلام بين الأمم، والعكس صحيح. وهنا اقترح إنشاء هيئة دولية تقوم على مهمة السلام العالمي في موازاة عملية تطوير الديمقراطية الليبرالية في المجتمعات المحلية، مؤكداً على أن تعامل هذه الهيئة مع أعضائها بغير عدالة سوف يقضي على السلام العالمي، مثلما يؤدي الخروج على سيادة القانون إلى تقويض ديمقراطية الدولة. ومنذ نشأت هيئة الأمم المتحدة عام 1945 نُظر إليها على أنها الثمرة الطيبة لمشروع السلام الكانطي، لكن المفارقة المؤلمة أن المنظمة الدولية، بعد ثمانية عقود ونيّف على تأسيسها، باتت تعيش أتعس لحظاتها، عاجزة ليس فقط عن الدفاع عن المقهورين في العالم، وقد صار الفلسطينيون رمزاً استثنائياً لهم، بل وأيضاً عن نفسها، بفعل القطب الأمريكي المتحكم في شؤونها، والذي سمح لإسرائيل بالولوغ عميقاً في الدماء الفلسطينية، استلهاماً لأكثر الأفكار التوراتية خرافية كعقيدتي الشعب المختار، وأرض الميعاد. ومن ثم تبدو حاجتنا الشديدة إلى استدعاء كانط من نهاية القرن الثامن عشر إلى قلب الحادي والعشرين، ليسهم في ترميم حكمتنا المهدرة، بإعادة تأسيس النزعتين التنويريتين: الكونية والإنسانية.
