الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا وحروب الشرق الأوسط

3 سبتمبر 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 3 سبتمبر 00:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، لها انعكاسات كبيرة على الوضع العام في العالم. فقد أحدثت ما يُشبه الفوضى الدولية، وانتكاسة للمؤسسات الأممية، وتعثرت بسببها قطاعات، اقتصادية وتجارية، واسعة، وتبيّن أن الجانب الأوروبي كان من أكثر الجهات التي تأثرت بتداعيات الحرب، على المستويين، السياسي والاقتصادي، على وجه الخصوص.
فالبرنامج النووي الإيراني – لا سيما الجانب العسكري فيه – يطاله الغموض، على الرغم من الضربات الكبيرة التي تلقتها المنشآت ذات الصلة، وما حدث، طوى نهائياً صفحة التفاهمات التي قادها الجانب الأوروبي مع إيران في عام 2015، من خلال مشاركة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلى جانب روسيا والصين والولايات المتحدة. ولا يُعرف حتى الآن ما هو واقع هذا البرنامج على الأرض، وقد يكون ما يُخفى أوسع حجماً مما هو مُعلن، والجانب الأوروبي من أكثر المتأثرين بمستقبل البرنامج، نظراً للقرب الجغرافي بين ايران وأوروبا.
وعلى المستوى السياسي، فقد أدت تداعيات الحروب في الشرق الأوسط إلى تقويض الدور الأوروبي، وانحسر تأثير دول مهمة، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلى الحدود الدنيا. وإشراك بعضها في المساعي السلمية، أو التفاهمات، يحتاج إلى موافقة مسبقة من واشنطن وتل أبيب، وهو بالفعل ما يحصل في سياق محاصرة الدور الفرنسي في لبنان، على الرغم من الحضور التاريخي لباريس في المشهد اللبناني، وكذلك عن طريق عدم إشراك الأوروبيين في المفاوضات الجارية حول المضائق المائية المهمة، لا سيما مضيق هرمز الذي يخضع لقانون البحار لعام 1982، ولا يوجد أيّ قيود قانونية على المرور التجاري فيه، بينما يتسابق طرفا النزاع اليوم على تغيير طبيعة العمل فيه، ومن دون أي حق، وبما يتعارض مع القانون الدولي، ويضرّ بمصالح الدول المُشاطئة، والدول الأخرى، لا سيما الأوروبية، حيث لها مصالح واسعة في المنطقة. وفي المجال التجاري والاقتصادي، دفعت أوروبا ثمناً باهظاً بسبب الإرباكات القائمة، واستثمارات دول القارة تراجعت الى الحدود الدنيا، بينما التضخّم يُصيب الاقتصاد الأوروبي جرّاء الانعكاسات القاسية لارتفاع أسعار النفط والغاز، وكذلك تحرّك أسعار هذه المواد ارتباطاً بما يجري، ما يؤدي الى عدم استقرار في الأسواق المرتبطة بهذه الموارد. وأوروبا كانت قد دخلت في خيار جديد بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وقطعت تعاملها التجاري مع روسيا.
في الحسابات الاستراتيجية، يمكن التأكيد أن تهميشاً واضحاً يُصيب الدور الأوروبي، ولا تُغيّر هذه الصورة التفاهمات التي حصلت خلال انعقاد قمة دول حلف شمالي الأطلسي بأنقرة في 7 و8 يوليو/ تموز الماضي، ودعوة واشنطن لوزير مالية روسيا، أنطون مسيلوانوف، لحضور مؤتمر مجموعة العشرين في كارولينا الشمالية نهاية الشهر الماضي، بعد تغييب موسكو عن الحضور منذ عام 2022، تشير الى تبدلات كبيرة، وأبرزها اختلال في مستوى التنسيق بين الحلفاء الغربيين.
وتبدو فرنسا في واجهة المواجهة مع التغييرات التي أصابت الدور الأوروبي، وهي دفعت ثمناً غالياً في غرب إفريقيا جراء التخادُم الذي حصل بين دول كبرى لا تستسيغ التعاون مع فرنسا، وواشنطن أسهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف الدور الفرنسي في المنطقة، إذ كانت شركة «توتال» الفرنسية تعتمد على غرب إفريقيا بما يزيد على 80 في المئة من حجم أعمالها. وخطة تعويض تراجعها في تلك البلاد من خلال زيادة استثماراتها في شرق البحر المتوسط – لاسيما في سوريا ولبنان – تواجه منافسة أمريكية قوية، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال أمام رئيس وزراء العراق علي الزيدي، والرئيس اللبناني جوزيف عون «إن بلاده ستزيد من اهتمامها في الاستثمارات النفطية في المنطقة»، وبالفعل، فإن الشركات الأمريكية وقّعت مجموعة من الاتفاقيات لتأهيل خطوط جرّ النفط والغاز التي تصل الحقول العراقية بسواحل سوريا ولبنان.
التفرّد الأمريكي – الإسرائيلي بإدارة الصراع مع ايران، والمحاربة الإسرائيلية الواضحة لتنامي الدور الأوروبي رداً على بعض المواقف التي أيّدت إنشاء دول فلسطينية، يُبرز الخلل الهائل الذي يُصيب المقاربات الأوروبية، على الرغم من أن أغلبية دول القارة ما زالت تدعم إسرائيل، عسكرياً وسياسياً.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة