لو سألت أحدهم عما يتمناه، أو عما يرغب في شرائه، فقد يعدد لك أشياء كثيرة. أما لو سألته عن النعم التي يملكها، وعما حققه في مسيرته، فالغالب أنه سيتوقف قليلاً، ويصمت، ثم يبدأ في التذكر والتعداد بتردد. والفرق بين الإجابتين لافت: قائمة النقص عند كثيرين حاضرة في الذهن دائماً، أما قائمة ما بلغوه وما يملكونه فنادراً ما تُستدعى.
فما كان بالأمس هدفاً يسعى إليه، يصير بعد بلوغه أمراً عادياً. الوظيفة التي انتظرها طويلاً تتحول إلى روتين، والبيت الذي فرح به يصبح مجرد مكان يسكنه، وينتقل نظره إلى ما هو أبعد. ومن يعلق رضاه على الوصول، تنتقل أمامه نقطة الوصول كلما اقترب منها.
ومن كان هذا حاله، لن يحل مشكلته بأن يحصل على المزيد، لأن المشكلة ليست في ما ينقصه. فهو يظن في كل مرة أن الرضا ينتظره عند النقطة التالية، ثم يصل إليها فلا يجده، ولهذا قد يمضي عمره في سباق مع سقف يرتفع كلما اقترب منه، ولا ينتبه إلى أن الذي يحرك السقف هو نفسه.
كتاب «الطريق والفضيلة» كتاب صيني قديم منسوب إلى لاو تزو، وهو من أكثر النصوص ترجمة في العالم، تناول فيه صاحبه الحكمة في العيش وحذّر من الإفراط في الطلب. ومن العبارات الشهيرة المذكورة فيه: «من يعرف الاكتفاء يكون غنياً».
والغنى في هذه العبارة ليس غنى المال، بل المقصود بها الرضا النفسي. ولهذا قد تجد من يملك الكثير وهو في ضيق دائم، ومن هو دونه بكثير وهو في سعة وسعادة، والفارق بينهما ليس في الأرقام والرصيد، بل في القناعة.
وقد يفهم البعض القناعة على أنها رضا بالقليل وترك السعي، وهذا غير صحيح. فالقناعة لا تتعارض مع الطموح، لأن الطموح أن تعمل لما هو أفضل، والقناعة أن ترضى بما بلغته وأنت في طريقك إليه. والفرق بينهما في المحرك الداخلي لا في المقدار، فمن يسعى وهو راضٍ يسعى حباً لما يفعل، ومن يسعى وهو يشعر بالنقص يسعى هرباً من شعور لن يتركه ولو بلغ ما بلغ. قد يكون ما يحتاج إليه من لا يشعر بالاكتفاء دوماً ليس المزيد من الأشياء، بل أن يتذكر ما لديه، مثلما يتذكر ما يطمح إليه.
