الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عمّان وبكين.. شراكة متوازنة

4 سبتمبر 2026 00:30 صباحًا | آخر تحديث: 4 سبتمبر 00:31 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات سياسية وأمنية متسارعة، جاءت زيارة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى بكين واجتماعه بالرئيس الصيني شي جين بينغ، لتسلط الضوء على مسار متنامٍ في العلاقات العربية الصينية، وعلى موقع الأردن بوصفه دولة تسعى إلى توسيع خياراتها الدبلوماسية دون التخلي عن تحالفاتها التقليدية. كما تكشف الزيارة عن اهتمام صيني متزايد بالمشاركة في الملفات السياسية والاستراتيجية الأكثر تعقيداً في المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وتطورات غزة والتوترات المرتبطة بإيران وأمن الملاحة.
وتكتسب هذه المحادثات أهمية خاصة لأنها جاءت في ظل توافق معلن بين عمّان وبكين على ضرورة خفض التصعيد، والبحث عن حلول سياسية للأزمات، والتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في استقرار الشرق الأوسط. ويجمع الطرفان دعم حل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب الدعوة إلى إنهاء الاحتلال وإيجاد تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
لكن أهمية الزيارة تتجاوز التوافق في المواقف المعلنة. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره السياسي وعلاقاته المتعددة مع القوى الدولية والإقليمية، يمثل بالنسبة إلى الصين شريكاً مناسباً لتوسيع حضورها في الشرق الأوسط. وفي المقابل، تستطيع عمّان الاستفادة من العلاقة مع بكين، وهي عضو دائم في مجلس الأمن، لتعزيز هامش الحركة الدبلوماسية وتنويع الشراكات الدولية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الدخول في محور سياسي أو عسكري جديد.
وهنا تبرز إحدى السمات الأساسية للعلاقات الأردنية الصينية: التوازن بدلاً من الاستبدال. فالتقارب مع بكين، وفق منطق السياسة الأردنية، لا يبدو موجهاً لإقامة تحالف عسكري بديل عن العلاقات القائمة مع الولايات المتحدة والغرب، بقدر ما يندرج ضمن سياسة تنويع الخيارات والشركاء.
وتبرز في المحادثات كذلك قضية التوتر مع إيران وأمن الملاحة البحرية، بما في ذلك الدعوة إلى الحفاظ على التهدئة وضمان استمرار حركة الملاحة في مضيق هرمز. ويكشف هذا البعد أن المصالح الصينية في المنطقة لم تعد اقتصادية بحتة، إذ ترتبط أمنياً بتدفق الطاقة واستقرار طرق التجارة. فبالنسبة إلى بكين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على حركة التجارة والطاقة عبر الممرات البحرية، أي اضطراب واسع في الخليج أو البحر الأحمر أو الممرات الدولية يشكل تحدياً مباشراً لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي الملف الفلسطيني، تحاول الصين تقديم نفسها كقوة دولية تؤيد الحلول السياسية والدبلوماسية، وتؤكد دور الأمم المتحدة والقانون الدولي. كما تواصل تأييدها لحل الدولتين ورفض الإجراءات الأحادية التي من شأنها تقويض هذا الحل.
في المحصلة، تعكس زيارة الملك عبدالله الثاني إلى بكين طبيعة مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، تتراجع فيها فكرة الاعتماد على قوة واحدة لصالح تنويع الشراكات وبناء التوازنات.
ومن هنا، تبدو أهمية الزيارة في كونها مؤشراً على تحول أوسع في الشرق الأوسط: تحول لا يقوم بالضرورة على استبدال التحالفات القديمة، بل على إعادة ترتيبها ضمن نظام دولي أكثر تعددية. وفي قلب هذا التحول، تبقى القضية الفلسطينية واختبار القدرة على تحويل التوافقات السياسية إلى خطوات عملية نحو السلام والاستقرار، المعيار الحقيقي لفاعلية أي شراكات أو ترتيبات دولية جديدة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة