تتميز الثقافة الغربية بسمة نفتقدها هنا في ثقافتنا العربية، وأعني سمة التكامل والتناغم، فمثلاً عندما تقرأ الأساطير الإغريقية، فأنت لست في حضرة عالم الحكايات السحرية والغرائبية وحسب، ولكنك على موعد مع الفلسفة التي تحلل رموز هذه الأساطير، وتخرج منها بأطروحات تكشف عن علاقة الإنسان ببيئته ورؤيته للعالم من حوله، وأنت على موعد مرة ثانية مع علم النفس الذي يخرج من هذه الأساطير بدلالات يوظفها في نظريات مستقلة، وبين هذين القوسين ربما قرأت لهذا الأديب أو ذاك، مستلهماً لهذه الأسطورة أو تلك، وعلى الهامش تشاهد فيلماً سينمائياً، يوظف أحدث التقنيات ليمتعك بالعالم الخلاب لتلك الأساطير.
لم يكن فيلم «الأوديسة» المأخوذ عن ملحمة هوميروس الشهيرة، والذي عرض مؤخراً، شيئاً جديداً أو نادراً في الثقافة الغربية، كما تناوله بعض الكتاب العرب بانبهار، والذين دعوا إلى تكرار الفكرة في العالم العربي، بمعنى تحويل الكتاب أو العمل الأدبي لأكثر من شكل ثقافي، حتى يستفيد منه أكبر قطاع ممكن من الجمهور، هي فكرة قديمة في الثقافة الغربية، بل وتميزها، ولنا أن نقرأ عن أوديب الإغريقي لدى عالم النفس الأشهر سيغموند فرويد، أو نطالع مختلف القصص القديمة في أدب الفيلسوفين سارتر وكامو، أو نشاهد شكسبير في أكثر من شكل ثقافي، وفي حقب زمنية مختلفة.
لقد كتب على أكاديمية الفلسفة الإغريقية «لا يدخل هنا من لا يفقه في الهندسة»، بمعنى أن الهندسة ومعها الرياضيات والموسيقى وحتى الطب ومختلف العلوم، وحدة واحدة، لا يمكن الفصل بينها، وبرغم أن العلوم انفصلت عن بعضها في العصر الحديث إلا أن هذا الفصل لم يحدث في المنتج الثقافي، فظل يحتفظ بروح واحدة تتناغم مكوناتها وتتكامل فصولها.
وهناك كتاب عن شخصية الرجل الوطواط بعنوان: «باتمان والفلسفة.. الخوض في روح فارس الظلام» شارك في تحريره أدباء وعلماء نفس وفنانون وحتى رجال قانون، بتناول جدي يمتلك قدرة على التفكير والتفلسف، وهو توجه يستحيل تصوره في الثقافة العربية المعاصرة. وللمفارقة هنا علينا أن نرصد مئات الأعمال والكتّاب والأفلام والمقطوعات الموسيقية الغربية التي تناولت «ألف ليلة وليلة» مقارنة بتناولنا الخجول لهذا الكتاب- برغم أنه إرث عربي بامتياز- الذي اعتبره دارسون غربيون أهم عمل أدبي في العالم.
هذا التكامل والتناغم بين مكونات الثقافة المختلفة، يتجاوز إشكاليات مزمنة نعرفها في واقعنا العربي، يأتي في مقدمتها ذلك الفصام بين النخب الثقافية والجمهور، فالفريق الأول يفشل في التواصل مع الجمهور، وهذا الأخير لا يلتفت إلى ما تقدمه إليه النخب، لأنه تعوّد منها الغموض والصعوبة والرغبة في التنظير والتعالي على البسطاء.
وهذا التكامل يؤكد من جانب آخر وحدة الثقافة ويخرج معظم المشتغلين بها من عزلتهم وعالمهم الضيق، ويجسر الفجوة بينهم وبين الناس. فعندما يكتب أحدهم رواية أو قصة في ظل ثقافة يعرف أنها تحيل الأدب إلى شكل مسموع أو مرئي، سيتعوّد ألا يكتب لنفسه، وهنا يتحقق المعنى الحقيقي للثقافة، بوصفها منتجاً يتشارك فيه جميع البشر.
