رحل سعيد العابدي النعيمي وهو في بداية عقده السادس، تاركاً خلفه سيرةً عطرة تتناقلها الألسن ببالغ التقدير والوفاء. فلم تكن فاجعة رحيله شأناً خاصاً بأسرته، بل لحظة حزنٍ عمت الجميع، من القيادة والقبائل والمناطق كافة.
رحل ابن رأس الخيمة الذي عرفته قبة المجلس الوطني الاتحادي برلمانياً لبقاً، يدرك ثقل الكلمة، ويحمل أمانة الناس بوعيٍ وبساطة. وربما كان هذا القرب من الناس هو الذي جعل حضوره تحت القبة امتداداً طبيعياً لشخصيته خارجها، فما حمله إلى البرلمان لم يكن مجرد مطالب، بل أصوات أناسٍ عرفهم عن قرب وعاش تفاصيل حياتهم.
نشأ سعيد في بيئةٍ بدوية، وفقد والدته في سنٍ مبكرة إثر حادث، فنشأ مع شقيقيه في كنف جدته لأمه، التي أسهمت في غرس قيم الطِيب والعطاء والتقدير في نفسه. ولعل تلك النشأة هي التي صاغت شخصيته القريبة من الناس، وجعلت من «سهيلة» أكثر من مجرد منطقةٍ ينتمي إليها، فقد ظل ابنها البار، حاضراً في مناسباتها وأحداثها، وحريصاً على أن يرى أهلها في المكانة التي يستحقونها.
ولم تقف مساندته عند حدود سهيلة، بل امتدت إلى مختلف مناطق الإمارة، ولا سيما تلك التي كانت أكثر احتياجاً إلى الدعم. ومن ينسى وقفته مع أهل «الفحلين» حين جرفت السيول منازلهم؟ كان من أوائل المتفقدين للأضرار، حاضراً إلى جانب الأهالي، متابعاً احتياجاتهم، ومخففاً عنهم وقع المصاب. ولعل أبلغ شاهدٍ على تلك العلاقة لوحة التعزية التي ارتفعت عند مدخل «الفحلين»، لتذكّر كل عابرٍ بالترحم على رجلٍ لم يتخلَّ عنهم في محنتهم.
كان العابدي رجلَ واجبٍ بامتياز، حاضراً في أفراح الناس وأتراحهم في رأس الخيمة وسائر إمارات الدولة. وحتى يومه الأخير، ظل وفياً لهذا النهج، إذ وافته المنية في اليوم ذاته الذي أدّى فيه واجب العزاء لأحد أهالي رأس الخيمة. وكأن الرجل الذي عاش للناس، اختار أن تكون آخر خطواته بينهم، مؤدياً واجباً من واجبات الوفاء.
لم يكن وصوله إلى قبة البرلمان أمراً عابراً، فجاء تصدّره الانتخابات البرلمانية وحصوله على أعلى الأصوات عام 2023 امتداداً طبيعياً للثقة التي بناها مع الناس. ومضى في سنته الأخيرة من الدورة البرلمانية الثانية، بعد أن أتم الدورة الأولى بحضورٍ فاعل وطرحٍ لامس احتياجات المواطنين، فكان من أبرز المطالبين بدعم الباحثين عن العمل، وتعميم التأمين الصحي للمواطنين في المناطق الشمالية.
لقد أثبت العابدي خلال مسيرته إلماماً واسعاً بقضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع، فكانت كلمته رسالةً صادقة وموزونة تبلغ الجهات المعنية بوضوح.
رحل سعيد العابدي، لكن سيرته بقيت بين الناس، في سهيلة التي أحبها، وفي الفحلين التي وقف إلى جانب أهلها، وفي كل مجلسٍ عرف حضوره، وكل واجبٍ أدّاه، وكل مطلبٍ حمله. رحل الجسد، وبقيت سيرة رجلٍ جعل من الوفاء للناس طريقاً لخدمة الوطن.
