لماذا اختارت المرأة الذهب لزينتها، ثم أبقت ثوبها واسعاً ساتراً؟ ولماذا أتقنت التلي بيديها، وصنعت برقعها، واجتمعت مع غيرها من النساء لتخيط ثوباً قد لا يكون لها؟
لأننا حين ننظر إلى الثوب، لا نرى ذائقة امرأة فحسب. نرى شيئاً من تربيتها، وحيائها، ومهارتها، ونظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين. كان أكثر ما يميزه أنه يشبهها. واسعاً في ستره، جميلاً في تفاصيله، وقوراً. وكأن المرأة الإماراتية وضعت في ثوبها منذ زمن بعيد تصورها الخاص للجمال: جمال لا ينفصل عن الحياء، وزينة لا تتقدم على الوقار، وفخامة تعرف حدودها أمام قيمة الإنسان.
ولهذا فإن الحديث عن ثوب المرأة الإماراتية ليس حديثاً عن الأزياء بقدر ما هو حديث عنها هي. وكان ثوبها يتبدل بتبدل أيامها ومناسباتها. فالرياسي من أثوابها الفاخرة، أما الكندورة فكانت أقرب إلى يومها، فضفاضة ساترة. ومن أجمل صورها المخوّرة، التي ينساب «الخوار» في صدرها وأكمامها بزخارف دقيقة. اختلفت الأقمشة والزينة، لكن بقيت للثياب لغة واحدة: حشمة لا تلغي الجمال، وأناقة يحفظها الوقار.
كانت تجلس إلى «الكاجوجة»، تجمع الخيوط وتجدلها بدقة حتى تصنع التلي الذي يزين كندورتها. تعلمته من امرأة سبقتها، ثم تعلمته منها أخرى بعدها. وفي هذه السلسلة البسيطة ظاهرياً شيء عميق من شخصية المرأة الإماراتية: الإتقان، والصبر، والمهارة، والقدرة على أن تحول ما بين يديها إلى جمال.
والبرقع أيضاً لم يكن دائماً شيئاً يصل إليها جاهزاً. عرفت النساء «قرض البراقع»، وأتقنت بعضهن صناعته حتى أصبحت حرفة ومصدراً للرزق. وكانت اليد الإماراتية حاضرة في كثير من تفاصيل زينتها، تخيط وتنسج وتطرز وتصنع.
لم تكن القوة دائماً منصباً أو اسماً أو حضوراً عاماً. كانت أحياناً معرفة في يد امرأة. مهارة تتقنها، وبيتاً تديره، وابنة تعلمها، وحرفة تحفظها، وعملاً تستطيع أن تنتج به شيئاً نافعاً وجميلاً. وحين كانت العروس تستعد لفرحها، تتسع الدائرة. تجتمع النساء للمشاركة في تجهيزها وخياطة ثيابها. واحدة تعرف ما لا تعرفه الأخرى، ويد تكمل يداً، وخبرة الأكبر تنتقل إلى الأصغر.ومن هنا نستطيع أن نقرأ في ثوب واحد أكثر من قيمة. نقرأ المهارة في التلي، والتعاون في ثوب العروس، والخصوصية في البرقع، والذوق في الذهب والزري، والحياء في الستر، والوقار في الهيئة كلها. لكن أجمل ما نقرؤه فيه هو أن هذه القيم لم تكن مرتبطة بثراء المرأة. فقد تختلف الأثواب باختلاف القدرة والمناسبة. قد ترتدي امرأة ثوباً نفيساً تزينه قطع الذهب، وترتدي أخرى كندورة أكثر بساطة. وقد يكون في بيت من الحلي والأقمشة ما لا يوجد في بيت آخر. لكن الفارق في المقتنيات لم يكن فارقاً في المبادئ.
فالحياء لا يحتاج إلى ثروة، والعفة لا تزداد بذهب، والوقار لا تمنحه قطعة قماش. هذه الأشياء حملتها المرأة في نفسها، ثم ظهر أثرها فيما ارتدت، وفيما صنعت، وفي الطريقة التي عاشت بها بين أهلها ومجتمعها.
ولهذا كان الستر أعمق من أن يكون مجرد هيئة لباس. كان امتداداً لمفهوم كامل عن الخصوصية والحياء والكرامة. وكانت العفة قيمة تُربّى عليها الفتاة، والوقار جزءاً من حضور المرأة، والتواضع لا تمنعه النعمة ولا تلغيه الفخامة.
ذهب وحشمة، وفخامة وتواضع، وجمال وحياء، وقوة ورقة. فالاحتفاء بها لا يبدأ فقط من إنجازاتها التي نراها اليوم، على عظمتها. خلف الطبيبة والمهندسة والمعلمة والوزيرة والفنانة ورائدة الأعمال امرأة لها امتداد طويل في هذا الوطن. تغيرت أدواتها، واتسعت ميادينها، وكبرت الفرص أمامها، لكن كثيراً مما نفخر به في شخصيتها اليوم له جذور أقدم.
المرأة التي تتقن عملها اليوم هي حفيدة امرأة كانت تقضي الساعات في إتقان خيط من التلي. والمرأة التي تسند غيرها اليوم تنتمي إلى مجتمع كانت نساؤه يجتمعن حول عروس ليصنعن فرحتها معاً. لهذا اخترت أن أبحث عن المرأة الإماراتية في ثوبها. لا لأعرف ماذا كانت ترتدي، بل لأعرف من كانت.
وجدت الذهب، لكنني وجدت قبله كرامة لا يضيف إليها الذهب شيئاً. ووجدت التلي، فرأيت وراء خيوطه مهارة وصبراً ويداً تعرف أن تصنع. ووجدت البرقع، فوجدت معنى للستر والخصوصية. ووجدت ثوب العروس، فوجدت حوله نساء يجمعهن الحب والتعاون.
وحين اكتملت صورة الثوب، ظهرت المرأة.
إماراتية عرفت الجمال والفخامة، في زمن القلة كما في زمن الرخاء. فالثوب كان يتغير من جيل إلى جيل، أما جوهر المرأة التي ترتديه، فبقي إماراتياً.
