يشكل الاقتصاد أحد أهم المجالات التي يمكن أن تشهد نقلة نوعية في العلاقات اللبنانية الاماراتية. فقد كانت الإمارات من أبرز المستثمرين العرب في لبنان، ووفق بيانات وزارة الخارجية الإماراتية، بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية المباشرة في لبنان بين عامي 2003 و2016 نحو 7.8 مليار دولار، ما يعكس حجم الدور الذي لعبته الإمارات في الاقتصاد اللبناني خلال تلك المرحلة. كما بلغت الصادرات الإماراتية إلى لبنان نحو 132 مليون دولار خلال أول شهرين من العام 2025، مقابل واردات لبنانية إلى الإمارات بلغت نحو 69 مليون دولار حتى نهاية فبراير/شباط من العام نفسه.
إلا أن التحدي الأساسي حالياً، يتمثل في الانتقال من نموذج الدعم والمساعدات إلى نموذج الشراكة الاستثمارية المستدامة. وهذا يتطلب من لبنان تحسين بيئته الاستثمارية، وتعزيز الشفافية، وإصلاح القطاع المصرفي والمالي، وتطوير الإدارة العامة، وتأمين الاستقرار السياسي والأمني والقانوني.
وفي هذا المجال، تبدو الإمارات مؤهلة للعب دور مهم في إعادة تنشيط الاقتصاد اللبناني، نظراً إلى خبرتها في مجالات الموانئ والطاقة والعقارات والسياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. وإذا استطاع لبنان توفير البيئة المناسبة، فإن الاستثمارات الإماراتية يمكن أن تتحول إلى عنصر أساسي في عملية إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي.
لا تقتصر العلاقة على الاستثمار والتجارة، بل بدأت تأخذ أبعاداً جديدة في مجال تطوير الإدارة العامة. فقد شهد عام 2026 تنظيم منتدى للتبادل المعرفي الحكومي بين الإمارات ولبنان، بهدف تعزيز التعاون في تحديث وتطوير العمل الحكومي وتبادل الخبرات والحلول المتعلقة بالمشاريع التحولية والقطاعات الحكومية ذات الأولوية في لبنان.
ويكتسب هذا النوع من التعاون أهمية خاصة لأن الأزمة اللبنانية ليست مالية واقتصادية فقط، وإنما هي أيضاً أزمة في الإدارة والمؤسسات، وبالتالي فإن نقل الخبرات الإماراتية في مجالات الحكومة الرقمية، والخدمات العامة، والإدارة الحديثة، وجذب الاستثمارات، يمكن أن يساعد لبنان على بناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحديات.
ويكتسب البعد السياسي والاقتصادي في العلاقات اللبنانية–الإماراتية أهمية إضافية بالنظر لموقع البلدين في البيئة الإقليمية. فالإمارات تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءاً من استقرار المنطقة، فيما يحتاج لبنان إلى علاقات عربية متوازنة تساعده على استعادة دوره داخل محيطه العربي.
وقد ظهر ذلك في المواقف الإماراتية المتكررة الداعمة لوحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه. وفي المقابل عبّر لبنان في العام 2026 عن تضامنه مع الإمارات في مواجهة الاعتداءات التي استهدفت أراضيها، مؤكداً وقوفه إلى جانب أمنها وسيادتها.
كما أن التطورات الإقليمية المتسارعة تجعل التنسيق بين الإمارات ولبنان أكثر أهمية، خصوصاً في ملفات الأمن الإقليمي، والاستقرار، والعلاقات العربية، ومستقبل سوريا، والتطورات في شرق المتوسط.
تبدو العلاقات اللبنانية–الإماراتية مستقبلاً، أمام فرصة لإعادة بناء شراكة أكثر عمقاً من السابق، فقد أعادت الزيارات الرسمية والاتصالات السياسية فتح قنوات التواصل، كما أن إعادة تفعيل السفارة الإماراتية في بيروت أعطت العلاقة إطاراً مؤسساتياً أكثر استقراراً.
إن أهم ما تأسس عبر زيارة الوفد الاقتصادي التجاري برئاسة ثاني بن أحمد الزيودي وزير دولة للتجارة الخارجية في 24 اغسطس/ آب الماضي، على رأس وفد من 80 شخصية من قطاعات: الأمن الغذائي، والصحة، والنفط والغاز، والطاقة المتجددة، والطيران، والذكاء الاصطناعي، توقيع مذكرة تفاهم حكومية، وإطلاق العمل على اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة CEPA بين لبنان والإمارات لتوفير إطار أوسع للعلاقات، والتأكيد على دعم الإمارات لمرحلة «التجديد الاقتصادي» في لبنان.
أمّا على المستوى الاقتصادي والخاص، فقد تم توقيع 5 اتفاقيات مبدئية، وتوقيع 4 مذكرات تفاهم إضافية بين القطاعين الخاصين الاماراتي واللبناني.
كما تم إطلاق «مجلس الأعمال المشترك الإماراتي اللبناني» ليكون قناة منظمة للشراكات والاستثمار. كما تم بحث آليات تسهيل الاستثمار وإزالة الحواجز أمام التجارة والاستثمار.
إن نجاح المرحلة المقبلة لن يعتمد على المبادرات الإماراتية وحدها، بل يحتاج إلى خطوات لبنانية مقابلة، أبرزها تثبيت الاستقرار السياسي والأمني، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وتعزيز استقلالية مؤسسات الدولة، وتحسين مناخ الاستثمار، وتطوير العلاقات العربية على أساس المصالح المشتركة.
يستطيع لبنان أن يقدم للإمارات فرصاً مهمة في مجالات السياحة، والخدمات، والتعليم، والصحة، والتكنولوجيا، وإعادة الإعمار، والطاقة، والمرافئ واللوجستيات، فيما تستطيع الإمارات أن تقدم للبنان رأس المال والخبرة والشبكات الاقتصادية والأسواق. ومن هنا يمكن أن تتحول العلاقة من علاقة دعم في الأزمات إلى شراكة اقتصادية وتنموية طويلة الأمد.
وفي ضوء عودة التواصل السياسي وفتح السفارة الإماراتية في بيروت وتنامي الحديث عن تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، تبدو الفرصة متاحة أمام الإمارات ولبنان لبناء نموذج عربي ناجح للعلاقات الثنائية. وإذا تمكن لبنان من استعادة استقراره وإطلاق إصلاحاته، فإن الإمارات يمكن أن تكون أحد أبرز الشركاء في مسار التعافي وإعادة بناء الاقتصاد، بما يجعل العلاقات بين البلدين ليس فقط امتداداً لتاريخ طويل من الصداقة، بل أيضاً استثمار مشترك في مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
