نما ما يعرف برأس المال الاجتماعي، وتوسع، وبات له حضور، وذلك بسبب ما يستند إليه من أهمية بالغة، وأثر واضح في جوانب كثيرة من حياة الناس. ومع أنه من المعروف أن رأس المال، إما أن يكون مالاً أو أرضاً – عقاراً- أو آلة، ونحوها، إلا أن هناك من توسع نحو رأس المال الاجتماعي، وهو ما بين الناس من الثقة وشبكات وأعراف تيسر التعاون.
وكمثال يبين ويوضح أثره، تخيل أن تشتري سلعة مستعملة، من شخص لا تعرفه، في مجتمع تسوده الثقة، تنجز في ساعة، ترى السلعة وتتفقان وتدفع، أما في مجتمع لا تسوده الثقة فقد تحتاج إلى إجراءات طويلة مثل وجود وسيط، وفحص، وشهود، وعقد موثق، وربما محام. والنتيجة واحدة في الحالتين، سلعة انتقلت من يد إلى يد، لكن في الحالة الثانية استهلكت أياماً، ومالاً، وتوتراً، وقلقاً. ولك أن تتخيل هذه الحالة تصبح هي المنتشرة والسائدة وهناك ملايين المعاملات اليومية، ستكون لها تبعاتها وفي علم الاقتصاد لها مسمى: كلفة المعاملات، ولا يخفض هذه الكلفة إلا رأس المال الاجتماعي، حيث تعلو الثقة، ومعها تقل العقود المعقدة، وتختصر الإجراءات والرقابة، وتزيد الشراكات ويسهل على الشباب إيجاد من يمول أفكارهم. وتحقيق رأس المال الاجتماعي لا يتم من خلال الخطب ولا بالحملات التوعوية، وإنما أولاً بالعدالة في الإجراءات، والمساواة بين الناس، وتطبيق القوانين على الجميع. والثاني من خلال تكرار التعاملات لأن الثقة يتم بناؤها من خلال التجارب الصغيرة الناجحة. والثالث المساحات المشتركة، ويقصد مواقع التقاء الناس سواء في المؤسسات أو داخل الأحياء، حيث تنشأ الثقة وتنمو.
المشكلة في رأس المال الاجتماعي أنه لا يظهر في ميزانية ولا في مؤشر، ولا يعرف إن كانت الثقة قد انخفضت هذا العام أو زادت بالمقارنة مع الأعوام السابقة. لكن يمكن رصدها في بعض الجوانب الصغيرة التي لها مؤشرات واضحة، مثل تزايد الشروط والاشتراطات، وفي تجنب الناس وإحجامهم عن الشراكة، وفي الخوف من التعامل مع الغريب.
رأس المال الاجتماعي هو بمثابة الثروة الحقيقية للمجتمعات، وهي الرصيد الذي يبقى ويعد الأهم، وتعتبر المجتمعات الأغنى ليست تلك الأكثر مالًا، بل التي تعتبر الأقل حاجة للحراسة. ولعل الثقة هي الرصيد الأهم، لكنه لا يظهر في كشوف الحسابات المصرفية.
