تنطوي المضائق على أهمية كبيرة لاعتبارات أمنية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، ما حدا بالمجتمع الدولي إلى تنظيم الملاحة في عدد من الممرات المائية الدولية، كما أصبحت تستأثر بثقل استراتيجي باعتبارها تسهم في تعزيز التجارة الدولية وتوريد الطاقة، واختصار الوقت في قطع المسافات، بما يجعل منها عاملاً لتعميق العلاقات بين الدول، وهي تختلف من حيث أهميتها بحسب مواقعها الجغرافية، وطبيعة العلاقات، الاقتصادية والأمنية، القائمة في محيطها. وعلاوة على مكانتها التجارية والاقتصادية، تلعب المضايق أدواراً استراتيجية مهمة أيضاً، ذلك أن تحكّم الدول في مثل هذه الممرات يمنحها حضوراً وقوة على المستوى الدولي، ولذلك، سعت الكثير من الإمبراطوريات والدول منذ زمن بعيد إلى بسط سيادتها على هذه الممرات.
ونظراً لموقعها الاستراتيجي بين ثلاث قارات (آسيا وإفريقيا وأوروبا)، فإن المنطقة العربية تحتل مكانة مهمة ضمن خريطة الملاحة البحرية، حيث تطل العديد منها العربية على ممرات مائية تسهم في تعزيز التجارة الدولية، وفي عمليات نقل الغاز والنفط عبر العالم، ونشير في هذا الإطار إلى مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ثم هناك قناة السويس التي تتيح ممراً مختصراً بين البحرين المتوسط والأحمر، ومضيق جبل طارق الذي أصبح يستأثر بأهمية استراتيجية كبيرة لاعتبارات متصلة بموقعه الجغرافي الفاصل بين قارتي أوروبا وإفريقيا، ولكونه المنفذ الوحيد الذي يفصل بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
ومن ضمن أهم هذه المضايق أيضاً، نذكر مضيق هرمز الذي يمثل ممراً رئيسياً لحاملات النفط، حيث يعبره نحو 85 في المائة من النفط الذي تصدّره بلدان الخليج العربي، ما جعله محط صراعات جيوسياسية عدّة.
ففي ظل تطورات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، قامت هذه الأخيرة بالإعلان عن إغلاق المضيق في وجه الملاحة البحرية، قبل فتحه من جديد كنتاج لاتفاق وقف إطلاق النار، غير أن ذلك لم يمنع من عودة التوتر من جديد، ما أربك التجارة والملاحة الدوليتين عبر المضيق.
ففي الوقت الذي تصرّ فيه إيران على تمسكها بالسيادة الكاملة على المضيق، ورفض أيّ وصاية أمريكية في هذا الخصوص، والتأكيد على ضرورة ربط إعادة فتح الملاحة بالمضيق برفع الحصار الاقتصادي المفروض عليها من قبل الولايات المتحدة، مع التلويح باستخدام كل الإمكانات العسكرية المتاحة للدفاع عن سيادتها ومصالحها، فإن الولايات المتحدة، من جانبها، تؤكد سيطرتها العسكرية التامة على الممر، بل ذهب الرئيس دونالد ترامب إلى أن «المضيق يعتبر أرضاً أمريكية» في الوقت الراهن، في سياق تشديد الضغوط على إيران لمنعها من امتلاك الأسلحة النووية، وإجبارها على إبرام اتفاق جديد يستجيب للمصالح الأمريكية.
إن تشبث الأطراف المعنية بمواقفها، وإصرارها على المزج بين توظيف العمليات العسكرية والعقوبات الاقتصادية، في سياق التنافس على هذا الممر الاستراتيجي، أحدث إشكالات أمنية يمكن إجمالها في توجه إيران المستمر نحو إغلاق الممر كسبيل للتخلص من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
كما لا تخفى أيضاً تأثيرات هذا الوضع في الأمن القومي العربي، خصوصاً أن المضيق يشكل البوابة البحرية الوحيدة لعدد من دول المنطقة، كما هو الشأن بالنسبة للإمارات، والعراق، والبحرين، وقطر، والكويت، والسعودية، باتجاه الأسواق العالمية.
فقد تأثر الأمن الطاقي لدول المنطقة باعتباره العنصر الأساسي ضمن المقومات الاقتصادية لبلدان الخليج العربي، علاوة على تهديد الأمن الغذائي من خلال إرباك سلاسل الإمداد.
إن هذه التحديات التي تعمق أزمة النظام الإقليمي العربي، تفرض تعزيز التعاون بين بلدان المنطقة، بما يضمن أمنها وسط كل هذه المتغيرات، من خلال تعزيز التعاون العسكري، وإحداث قواعد بحرية عربية، وبناء موانئ ضخمة بجوار هذه المضايق، بما يخفف من حدّة الضغط عليها، إضافة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري في إطار جامعة الدول العربية، وتنويع ممرات التصدير، وإطلاق مبادرات دبلوماسية في سياق وساطات ومساع حميدة، للحد من وطأة التوترات والصراعات التي تهدّد الأمن والاستقرار في محيط هذا المضيق.
