هناك مفهوم يسلم به البعض من الناس، مفاده أن الطلاب الذين يتميزون بالذكاء والتفوق الدراسي، سيكون مستقبلهم الوظيفي محسوماً وواضحاً، وأنهم هم الأفضل في مجال العمل بعد إنهاء تعليمهم حيث ينتظرهم مستقبل باهر. أما من كان مستواهم التعليمي أقل من المتوسط، فإنهم سيواجهون صعوبة في حياتهم العملية، بل قد لا يجدون لهم مكاناً وظيفياً مناسباً.
لكن الملاحظ في سوق العمل، أن الصورة مختلفة عن هذا التوصيف، وأن تلك التوقعات لم تكن دقيقة، لأن المعايير التي كان يتم بناء تلك الآراء عليها اختلفت في هذا العصر تماماً، وباتت متطلبات الوظيفة والعمل أكثر عمقاً وأكثر تنوعاً من طالب متفوق أو ذكي.
ما يكشفه هذا التحول أن الذكاء في جوهره أداة، والأداة لا قيمة لها وحدها، بل قيمتها في كيفية استخدام ذلك الذكاء. الشخص الذي يملك عقلاً سريعاً لكنه يشتته في عشرات الاتجاهات، أو الذي لا يستخدمه أصلاً، أو يستخدمه في غير الضروريات، ينتهي به الأمر إلى عدم الاستفادة من قدراته الكامنة. أما من يملك قدرات عادية، ويوجهها بانتظام نحو هدف محدد، بتفان وتحديد، فإنه يبني عمقاً لا يصل إليه البعض من الأذكياء، رغم تفوقهم الظاهري، التراكم المنتظم يتجاوز مع الوقت الموهبة غير المنضبطة.
الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، تناول هذه المسألة في بداية كتابه «مقال في المنهج» المنشور عام 1637، حيث كان يتساءل عن سبب اختلاف الناس في آرائهم مع اشتراكهم في القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، فانتهى إلى أن السبب ليس تفاوت العقول، بل اختلاف الطرق التي تقاد بها. ثم قال: «لا يكفي أن يكون العقل جيداً، بل الأهم أن يُستخدم استخداماً جيداً».
ما يجعل هذه الفكرة مهمة هو أنها تنقل المسؤولية من مكان لا يملكه الإنسان إلى مكان يملكه. القدرات التي وُلدنا بها قد تتفاوت، أما كيف نستخدمها فهو قرارنا. ومن يقتنع بهذا يتوقف عن منح نفسه الأعذار، ويبدأ في العمل على ما يستطيع تغييره، وهي طريقته في التفكير وترتيب أولوياته والالتزام بما يختاره.
ليس الهدف التقليل من قيمة الذكاء، بل تصحيح مفهوم متعلق به. العقل هو نقطة انطلاق، ولكنه ليس ضماناً للوصول، الذكاء ليس سوى نصف الطريق، والنصف الآخر يعتمد على توجيهنا لهذا العقل، وإلى أي حد سنلتزم بمسارنا.
