إذا استمرت العوائد في الارتفاع مع اتساع فروق الائتمان فقد تنتقل المشكلة من سوق السندات إلى الاقتصاد العالمي. وعندها ستكون الصورة واضحة، الدولار قد يستفيد أولاً، ثم يتعرض للضغط إذا تحولت أزمة الدين إلى أزمة ثقة.
يشهد سوق السندات العالمي تحولاً لافتاً مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية وسندات الشركات، في وقت تتزايد فيه حاجة الحكومات والشركات إلى الاقتراض وإعادة تمويل الديون القائمة. ولا تكمن المشكلة فقط في حجم الديون، وإنما في قدرة الأسواق على استيعاب الإصدارات الضخمة دون مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى.
في الولايات المتحدة، بلغ عائد السندات لأجل عشر سنوات نحو 4.78%، فيما تجاوز عائد السندات لأجل 30 عاماً 5.2%. وفي اليابان ارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى نحو 3%، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ عقود. وتعكس هذه المستويات تغيراً مهماً في تكلفة رأس المال العالمي.
الواقع الآن أن الحكومات والشركات تتنافس على السيولة، إذ تحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة تمويل كميات ضخمة من الديون المستحقة، إضافة إلى تمويل عجزها، بينما تواجه اليابان وضعاً مشابهاً في بيئة لم تعد فيها أسعار الفائدة شديدة الانخفاض التي اعتاد عليها المستثمرون.
وفي الوقت نفسه، أصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة منافساً جديداً للحكومات على رأس المال. فقد لجأت شركات مثل Amazon وAlphabet إلى إصدارات ضخمة من السندات لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية.
وأصدرت Amazon خلال 2026 عشرات المليارات من الدولارات من السندات، فيما أصدرت Alphabet نحو 20 مليار دولار في إصدار واحد، ووصلت عوائد بعض إصداراتها في الأسواق الدولية إلى مستويات تقترب من 7%.
ولا تعني هذه العوائد بالضرورة أن الشركات العملاقة تواجه مخاطر ائتمانية مرتفعة، فجزء كبير من الفارق عن السندات الحكومية يعود إلى طول آجال الاستحقاق وعلاوة السيولة والائتمان. لكن الاتجاه العام واضح: تكلفة رأس المال الطويلة الأجل أصبحت أعلى.
لماذا ترتفع العوائد؟ تعود موجة ارتفاع عوائد السندات إلى ثلاثة عوامل رئيسية: زيادة الإصدارات الحكومية والشركاتية، ومخاطر التضخم، وارتفاع العوائد اليابانية، ما قد يدفع جزءاً من الأموال اليابانية للعودة إلى السوق المحلية ويقلل الطلب على السندات الأجنبية.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر بنقص مطلق في السيولة، بل بشح نسبي في رأس المال المتاح لاستيعاب هذا الحجم المتزايد من الديون بالعوائد السابقة.
والسؤال الآن هو هل يمكن أن يتحول الأمر إلى أزمة ائتمان؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للقول إن العالم دخل أزمة سيولة شاملة، فالأسواق ما زالت قادرة على استيعاب الإصدارات الكبيرة.
لكن الخطر يكمن في استمرار ارتفاع تكلفة التمويل. فارتفاع العوائد يعني ارتفاع تكلفة خدمة الدين، وانخفاض أسعار السندات القائمة، وزيادة تكلفة الاقتراض للشركات والأفراد والحكومات.
والخطورة هنا أن زيادة الديون تعني زيادة الإصدارات، تعني ارتفاع العوائد، تعني ارتفاع تكلفة خدمة الدين، تعني زيادة العجز، تعني مزيداً من الاقتراض.
إذا استمرت هذه الدورة لفترة طويلة فقد ينتقل الضغط من الأسواق المالية إلى الاقتصاد الحقيقي، عبر انخفاض الاستثمار والاستهلاك وارتفاع تكلفة العقارات والائتمان، بما يزيد احتمالات الركود.
التأثير على الدولار
في المدى القصير، ارتفاع عوائد السندات الأمريكية يدعم الدولار، لأنه يزيد جاذبية الأصول المقومة بالعملة الأمريكية.
لكن الأمر يعتمد على سبب ارتفاع العوائد. فإذا كان نتيجة قوة الاقتصاد وتحسن النمو فذلك إيجابي للدولار. أما إذا كان نتيجة مخاوف بشأن الدين والعجز والتضخم فقد يتحول ارتفاع العوائد إلى مصدر قلق على العملة نفسها.
لذلك فإن سبب ارتفاع العائد أهم من مستوى العائد.
كما أن ارتفاع العوائد اليابانية قد يدعم الين ويشجع جزءاً من الأموال اليابانية على العودة إلى الداخل، ما قد يقلل الطلب الياباني على الأصول الأجنبية.
أما بالنسبة للتأثير على الأسهم، وخاصة أسهم التكنولوجيا والنمو، فإنها ستواجه ضغطاً أكبر عندما ترتفع عوائد السندات.
فالسندات الأمريكية تمثل مرجعاً أساسياً لتسعير الأصول العالمية. وكلما ارتفع العائد الخالي من المخاطر أصبح المستثمر أقل استعداداً لدفع مضاعفات مرتفعة مقابل أرباح مستقبلية. وتزداد الحساسية لدى شركات التكنولوجيا التي تعتمد على الاقتراض لتمويل الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا لا يعني انهيار الأسهم. فإذا نجحت استثمارات الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية والأرباح بمعدل يفوق تكلفة التمويل، فقد تستوعب الشركات ارتفاع الفائدة. ولذلك قد تكون النتيجة الأقرب إعادة تقييم للأسهم وارتفاع التقلبات وانتقال الأموال نحو الشركات ذات التدفقات النقدية القوية.
أما الذهب فهو المستفيد المحتمل الأكبر. ارتفاع العوائد الحقيقية يضغط عليه، لأن المستثمر يستطيع الحصول على عائد من السندات دون امتلاك أصل لا يدر فائدة.
لكن إذا كان ارتفاع العوائد نتيجة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والمخاوف من الدين الحكومي وتراجع الثقة بالعملات، فإن الذهب يصبح أكثر جاذبية كأداة للتحوط. لذلك قد يكون ارتفاع العوائد سلبياً للذهب على المدى القصير، لكنه إيجابي له على المدى الطويل إذا تحول إلى أزمة ثقة مالية.
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة يمكن وصفها ب«عصر رأس المال الغالي» بعد سنوات من المال الرخيص.
الحكومات تحتاج إلى الاقتراض، والشركات العملاقة تحتاج إلى تمويل استثمارات ضخمة، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي، بينما أصبح المستثمر أكثر تشدداً في تسعير المخاطر.
لذلك فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط عائد السند الأمريكي لأجل عشر سنوات، بل عائد السندات الطويلة الأجل واتساع فروق العائد بين سندات الشركات والحكومات وقدرة السوق على استيعاب الإصدارات الجديدة.
إذا استمرت العوائد في الارتفاع مع اتساع فروق الائتمان، فقد تنتقل المشكلة من سوق السندات إلى الاقتصاد العالمي. وعندها ستكون الصورة واضحة، الدولار قد يستفيد أولاً، ثم يتعرض للضغط إذا تحولت أزمة الدين إلى أزمة ثقة، الأسهم ستواجه ضغوطاً من ارتفاع تكلفة رأس المال، أما الذهب فقد يصبح المستفيد الأكبر إذا تحول ارتفاع العوائد من علامة على قوة الاقتصاد إلى علامة على التضخم وتفاقم الديون وفقدان الثقة بالنظام المالي.
والسؤال الذي ستفرضه الأسواق خلال المرحلة المقبلة ليس فقط كم من الديون سيصدر العالم؟ بل من سيموّل كل هذه الديون، وبأي تكلفة؟
* مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة
