مع كل يوم يمضي تتكشف أكثر فأكثر الأهداف والنوايا الإسرائيلية الحقيقية تجاه لبنان، بعيداً عن الأهداف التي يعلنها قادة الاحتلال والشعارات التي يطلقونها لتبربر استمرار الاعتداءات الوحشية والمتواصلة عليه، وآخرها التفجير الكبير الذي قام به جيش الاحتلال الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر بذريعة تدمير أنفاق تابعة لحزب الله تحت الأرض، وقبلها تفجيرات قلعة شقيف التاريخية.
وحسب موقع «واي نت» الإسرائيلي فإن قوات الاحتلال استخدمت أكثر من 1100 طن من المتفجرات، في عمليات التفجير هذه. ونقل الموقع عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس قولهما إن الجيش الإسرائيلي دمر البنى التحتية تحت الأرض وبذلك استكمل إنشاء المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، فيما أعلن المركز الوطني للجيوفيزياء في لبنان تسجيل موجات أرضية اهتزازية نتجت عن التفجير الذي نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة (علي الطاهر)، ويمكن تشبيهها بهزة أرضية بلغت قوتها 4.2 درجة على مقياس ريختر.
ولم تتوقف العمليات الإسرائيلية عند تلة علي الطاهر، بل شملت تفجيرات إضافية في بلدة بني حيان بقضاء مرجعيون، ترافقت مع غارات جوية مكثفة استهدفت بلدات المنصوري والقنطرة وحداثا، فيما قامت قوات الاحتلال بوضع براميل متفجرة بالقرب من المنازل في منطقة الحنية تمهيداً لتدمير مربعات سكنية كاملة تحت ذريعة وجود أنفاق في المنطقة.
ويثير سلوك قوات الاحتلال الإسرائيلي الكثير من التساؤلات حول ما إذا كان الجنوب دخل مرحلة يمكن توصيفها عسكرياً ب«التطهير بالنيران» للمناطق المرتبطة بحركة القوات الإسرائيلية، ما قد يفتح المجال أمام استهداف منشآت ومبانٍ استناداً إلى مجرد الاشتباه بوجود خطر محتمل، وتوسع الاحتلال أكثر في الأراضي اللبنانية.
ولو تمعنا في عمليات التدمير الممنهجة التي قامت بها قوات الاحتلال في العديد من البلدات الجنوبية مثل بلدات يارين، ومروحين، والضهير والعديسة، وميس الجبل وغيرها من البلدات، وعمليات الاغتيالات المتعمدة للمدنيين، نلاحظ أن ذلك يأتي في إطار سياسة تدمير متعمدة تهدف إلى إفراغ الجنوب من سكانه في محاكاة للجرائم التي ارتكبتها قوات الغزو الإسرائيلي في قطاع غزة.
ففي غزة، يبدأ الخيط مما يسمى الخط الأصفر الذي ظهر في خرائط اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره حداً للسيطرة داخل القطاع، والذي يحاول الاحتلال من خلاله ترسيخ واقع ميداني جديد ودائم عبر إنشاء منطقة خاضعة للسيطرة العسكرية أو النارية، وهو ما تسعى قوات الاحتلال إلى تطبيقه في جنوب لبنان، حيث لا تقتصر الخطط الإسرائيلية على فرض شريط حدودي خالٍ من السكان، بل يشمل منع عودة المدنيين، بما يكرّس واقعاً ديموغرافياً جديداً في تلك المناطق، وهو ما جرى تطبيقه بالفعل في قطاع غزة.
علاوة على ذلك، يشكل هذا «الواقع الجديد» ورقة ضغط إسرائيلية في أي مفاوضات مستقبلية، إضافة إلى استخدامه بحكم التجربة في غزة كحجة وتبرير لأي خروقات تقوم بها قوات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين.
تبدو الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على جنوب لبنان محاولة لتطبيق نفس السيناريو الإجرامي، حتى بعد التوصل إلى اتفاق إطار بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، والذي يرسم خارطة طريق لإنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل، والذي تقود كل المؤشرات إلى أنه بدأ يفقد معناه في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وأنه بات مجرد مضيعة للوقت.
ويلاحظ مما يجري في جنوب لبنان أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى إلى احتلال القسم الأكبر من الجنوب اللبناني، لأهداف توسعية صرفة، وجعل عودة 1.4 مليون شخص إلى ديارهم شبه مستحيلة.. مع تواصل الهجمات الإسرائيلية التي حولت الحياة في الجنوب إلى صراع يومي من أجل البقاء، وأمام كل هذا يبدو أن لبنان يمر بمرحلة هي الأخطر، وأنه مهدد في أمنه وسلامة مواطنيه وأرضه، وأن الاحتلال الإسرائيلي كما عودنا دائماً لن يكون مؤقتاً، وأن هذا الاحتلال لن يخرج طواعية من جنوب لبنان أو أي أرض عربية يحتلها ما لم يواجه بقوة حقيقية فاعلة.