الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

رواية الجريئة للدكتور سلطان القاسمي

13 سبتمبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 13 سبتمبر 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كعادة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، في كتابة التاريخ من منظور توثيقي سردي، نجد بين يدينا رواية الجريئة، وهي رواية تاريخية حقيقية، تستند إلى وقائع موثقة توثيقاً محكماً، وتروي أحداث حياة الفرنسية الشابة «ماري بِتي» المرتبة بتفاصيل البعثة الدبلوماسية الفرنسية التي أُرسلت إلى فارس عام 1702م.
تجمع الرواية بين التاريخ السياسي والمغامرة الإنسانية، إذ تعرض مساعي فرنسا لتوسيع نفوذها التجاري والدبلوماسي في الشرق، بالتوازي مع رحلة امرأة شابة وجدت نفسها منخرطة في أحداث سياسية معقدة تجاوزت حدود حياتها الشخصية.
تبدأ أحداث الرواية في ظل رغبة ملك فارس في إقامة تحالف مع فرنسا بهدف الاستعانة بها في الاستيلاء على مسقط، في وقت كان فيه العُمانيون يفرضون نفوذهم البحري على مناطق واسعة من البحار المحيطة بفارس، ويؤثرون في حركة التجارة والملاحة في المنطقة، في المقابل، كان ملك فرنسا يطمح إلى تأسيس تجارة فرنسية نشطة في بلاد فارس، أسوةً بالتجارة التي أقامها الإنجليز والهولنديون هناك، وتعزيز الحضور الفرنسي في الأسواق الشرقية.
انطلاقاً من تلك المصالح المشتركة، أصدر الملك الفرنسي أمره بإرسال بعثة دبلوماسية إلى البلاط الفارسي، فتم اختيار السيد «جان بابتيست فابر»، وهو تاجر من مدينة مرسيليا كان يقيم في إسطنبول، رئيساً للبعثة وسفيراً لفرنسا لدى شاه فارس، السلطان حسين الصفوي، وكان من المقرر أن تتولى البعثة التفاوض بشأن إقامة علاقات سياسية وتجارية بين الطرفين، إلى جانب بحث إمكانية التعاون العسكري ضد مسقط.
احتاجت البعثة إلى نفقات مالية كبيرة لتجهيزها وتأمين احتياجاتها ومتطلبات رحلتها الطويلة، إلا أن «فابر» لم يكن يملك الأموال الكافية، لذلك لجأ إلى «ماري بِتي»، وهي سيدة فرنسية شابة كان قد تعرف إليها أثناء إقامته في باريس، وكانت تعيش مع والدتها التي تدير صالة للقمار، فطلب «فابر» منها أن تقرضه مبلغاً كبيراً من المال، واعداً إياها بإعادته إليها بمجرد استلام مخصصاته المالية المرتبطة بمهمته الدبلوماسية.
وثقت «ماري» بوعد «فابر»، وقدمت إليه المال الذي احتاج إليه، متوقعةً أن تسترده قبل مغادرته فرنسا أو فور حصوله على مستحقاته، غير أن «فابر» لم يفِ بوعده، ولم يُعد إليها المبلغ الذي اقترضه منها، وبدلاً من تسوية الدين، طلب منها السفر إلى مدينة ليون، مدعياً أنها ستحصل هناك على أموالها، استجابت ماري لطلبه، لكنها لم تجد المال الموعود، فاضطرت إلى ملاحقته من مدينة إلى أخرى، آملةً أن تستعيد حقوقها المالية.
مع استمرار الرحلة، لم تعد قضية «ماري» مجرد نزاع شخصي حول دين مالي، بل أصبحت جزءاً من مسار البعثة نفسها، فقد وجدت نفسها منخرطة في رحلة شاقة نحو الشرق، وسط صراعات سياسية ومصالح تجارية متشابكة ومخاطر أمنية متزايدة، وسرعان ما تحولت من امرأة تسعى إلى استرداد أموالها إلى شخصية مؤثرة في أحداث البعثة، تواجه الاتهامات والمكائد وتدافع عن حقوقها وسمعتها في بيئة سياسية واجتماعية غريبة عنها.
توجهت البعثة الفرنسية إلى أصفهان، عاصمة الدولة الصفوية، مروراً بالأراضي العثمانية، إلا أن الطريق كان طويلاً ومحفوفاً بالصعوبات، فقد واجه أفراد البعثة مشكلات مالية وإدارية، وخلافات داخلية، وعراقيل فرضتها السلطات المحلية، فضلاً عن مخاطر السفر وانعدام الأمن في بعض المناطق، كما أثرت تصرفات أفراد البعثة وتضارب مصالحهم في سير المهمة، وأضعفت قدرتها على تحقيق أهدافها الدبلوماسية.
وخلال تلك الأحداث، واجهت «ماري بِتي» سلسلة من الاتهامات والمحاكمات، وصدرت بحقها أحكام بالسجن، فوجدت نفسها في مواجهة سلطات متعددة، ومصالح متناقضة، وعلى الرغم من الظروف السياسية القاسية، أظهرت شجاعة وإصراراً لافتين، وواصلت الدفاع عن نفسها والمطالبة بحقوقها، حتى أصبحت قصتها محوراً أساسياً في الرواية.
في نهاية المطاف، أخفقت البعثة في تحقيق الأهداف السياسية والتجارية التي أُرسلت من أجلها، وانتهت تجربتها بالفشل بعد سلسلة طويلة من العقبات والخلافات، غير أن قصة «ماري بِتي» بقيت شاهداً على جانب غير مألوف من تاريخ العلاقات الفرنسية الفارسية في مطلع القرن الثامن عشر، وكشفت عن الدور الذي قد تؤديه الشخصيات الفردية في قلب الأحداث الدبلوماسية الكبرى.
تبرز أهمية رواية «الجريئة» في أنها لا تكتفي بعرض وقائع بعثة سياسية فاشلة فحسب، بل تقدم صورة شاملة عن التنافس الأوروبي على التجارة الشرقية، والعلاقات الدولية في المنطقة، والصراع على الموانئ وطرق الملاحة، وفي الوقت نفسه، تسلط الضوء على شخصية امرأة واجهت الخداع والسجن والمحاكمة، وتمكنت بجرأتها وشجاعتها وإصرارها من أن تترك أثراً واضحاً في أحداث تاريخية كانت في الأصل حكراً على الملوك والسفراء والتجار.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة