الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عندما يُعاقب الاستيطان

13 سبتمبر 2026 00:22 صباحًا | آخر تحديث: 13 سبتمبر 00:23 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تطل القرارات البريطانية الأخيرة، بفرض قيود وعقوبات اقتصادية واسعة النطاق لمقاطعة المستوطنات في الضفة الغربية، كعلامة ترسم ملامح مرحلة جديدة للقضية الفلسطينية، إذ تعانق هذه الخطوة أفق التأثير العملي لتتحول إلى محطة استراتيجية كبرى تعيد صياغة قواعد اللعبة في مسار السياسة الخارجية.
انبرى وزير الخارجية ليصرّح بصراحة تامة بأن ما يجري على الأرض يرقى إلى ممارسات التهجير القسري، ويؤكد عدم شرعية هذه المستوطنات، ما يمثل تحولاً استراتيجياً ستترتب عليه عواقب عميقة على الاقتصاد المرتبط بالاستيطان، خصوصاً مع تفعيل العقوبات لتشمل شبكات التمويل والتحويلات المالية، والتعاملات التجارية المباشرة مع المصارف والمؤسسات المعنية.
إن استهداف البنوك والمؤسسات المالية الإسرائيلية الداعمة لأنشطة الاستيطان يضع تلك الجهات أمام خيارات مصيرية صعبة، إما مواصلة تمويل التوسع الاستيطاني على حساب الحقوق الفلسطينية وإما الحفاظ على استمرار شراكاتها وعلاقاتها مع الأسواق المالية البريطانية والدولية.
وفي ظل تآكل بعض التحالفات الغربية، تتزايد حالة الوعي والإدراك داخل الدوائر السياسية في تل أبيب بحجم العزلة، الدبلوماسية والقانونية، المتنامية على الساحة الدولية، كما أن النجاح في بناء تحالف أوروبي ودولي متماسك تقوده الدبلوماسية البريطانية يعكس كفاءة عالية في تنسيق الجهود مع الشركاء الفاعلين بمعزل عن أيّ تقلبات سياسية كبرى، ما يشير بوضوح إلى بداية مرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي القائم على الواقعية والمبادئ الأخلاقية الثابتة التي تخدم مصالح السلام.
يصبح أثر هذه الخطوة أعمق وأكثر شمولاً إذا ما اختارت بقية العواصم العالمية أن تحذو حذو لندن، وتتبنى مساراً عملياً مماثلاً يترجم الأقوال إلى سياسات ردع، فعلية وحاسمة، خصوصاً أن التقارير الاقتصادية تشير إلى أن اقتصاد المستوطنات يتكبد خسائر سنوية تقدر بمليارات الدولارات نتيجة القيود المتزايدة، وتراجع حجم الصادرات التجارية.
علاوة على أن انضمام شركاء دوليين جدد إلى هذا النهج، سيمثل نقطة تحول كبرى تضيق الخناق على المنظومة الاستيطانية برمّتها، وتجعل الكلفة الباهظة التي تتجاوز أرقامها خسائر مباشرة في قطاعات الإنتاج والتوظيف والمقدرة بعشرات الملايين شهرياً، واقعاً لا مفر منه لدوائر صنع القرار في إسرائيل.
عندما تصبح مقاطعة المستوطنات وتجفيف منابع تمويلها المالي سياسة عالمية منسقة، ستدرك إسرائيل أن التفافها على القوانين وتجاهلها للمجتمع الدولي لم يعُد متاحاً في عالم تتبدل فيه التحالفات وفق لغة المصالح، والمكاشفة الاقتصادية.
توحيد الجهود الدولية لفرض قيود ومتابعة صارمة على كيانات الاستيطان يوجه رسالة قاطعة بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى، ما يجبر الحكومة الإسرائيلية الحالية، بل وكل الحكومات القادمة، على إعادة حساباتها الاستراتيجية بالكامل تحت وطأة ضغط دولي غير مسبوق، يكشف عقم سياسات التوسع والضم على المدى الطويل.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة