يُعد الانزلاق الغضروفي القطني من أكثر المشكلات الصحية انتشاراً، حيث لا تقتصر آثاره على الألم الجسدي فحسب، بل تمتد لتؤثر سلباً في نوعية حياة المصاب، خاصة أنه يصيب على الأغلب الفئة العمرية الحيوية ما بين الثلاثين والخمسين عاماً. في السطور التالية يسلط خبراء واختصاصيون الضوء على هذا الموضوع تفصيلاً.
يقول د. نيكولا فاجيك، استشاري جراحة العظام والعمود الفقري، إن الانزلاق الغضروفي يحدث عندما يتعرض أحد الأقراص اللينة الشبيهة بالوسائد، والموجودة بين عظام العمود الفقري، لتمزق أو نقطة ضعف، ما يسمح لجزء من مادته الداخلية بالبروز إلى الخارج، وتعمل هذه الأقراص عادةً كممتصات للصدمات وتساعد العمود الفقري على الحركة بشكل مريح، وعندما يضغط جزء من القرص على الأعصاب القريبة، يسبب الألم أو الضعف.
ويضيف: ترتفع نسبة الإصابة أيضاً لدى الأشخاص الذين يرفعون أشياء ثقيلة بانتظام، لا سيما عند استخدام أسلوب غير صحيح في الرفع، وكذلك من يمارسون أنشطة تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً أو حركات متكررة، وتؤدي زيادة الوزن إلى فرض ضغط إضافي على العمود الفقري، كما يسهم نمط الحياة الخامل وضعف العضلات الأساسية في حدوث مشكلات الظهر، ويُعد التدخين من العوامل الخطرة التي تؤثر في صحة أقراص العمود الفقري.
ويبين د. فاجيك أن الأعراض تعتمد بشكل كبير على موضع الانزلاق الغضروفي، ومدى الضغط على أحد الأعصاب، ويبدأ الألم أسفل الظهر ويمتد إلى الأرداف أو الفخذ أو ربلة الساق أو القدم.
ويتابع: عندما يحدث الانزلاق الغضروفي في الرقبة، تمتد الأعراض إلى الكتف أو الذراع أو اليد أو الأصابع، ويعاني البعض ألماً أو تيبّساً موضعياً من دون ظهور أي علامات تؤثر في الذراعين أو الساقين.
ويذكر د. رفيق أحمد، أخصائي جراحة العظام، أن العوامل الطبية الشائعة المرتبطة بالانزلاق الغضروفي، تتمثل في تنكس الأقراص (الديسك) المرتبط بالعمر، وفقدان القرص للسوائل والمرونة، والإجهاد الميكانيكي المتكرر، والسمنة، وضعف عضلات الجذع والعمود الفقري، والاستعداد الوراثي أو العائلي.
ويضيف: تزيد بعض العادات اليومية والأنشطة المهنية من الضغط المتكرر على العمود الفقري وتسهم في تنكس الأقراص وحدوث الانزلاق الغضروفي، حيث يزيد الجلوس لفترات طويلة أو القيادة لمسافات، والانحناء المتكرر للأمام، ورفع الأثقال بطريقة خاطئة، من الحمل الواقع على العمود الفقري.
ويلفت د.أحمد إلى أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية يمكن أن يؤدي إلى اتخاذ وضعية انحناء الرأس للأمام لفترات طويلة، وهي حالة تُعرف باسم «رقبة الرسائل النصية»، ما يسهم في إجهاد الرقبة والعمود الفقري، ولذلك، فإن الحفاظ على وضعية جسم سليمة، وأخذ فترات راحة منتظمة للحركة، وتقوية عضلات الجذع، واتباع تقنيات الرفع الصحيحة، كلها خطوات تساعد في حماية صحة العمود الفقري.
ويشير د.أحمد رزق، استشاري جراحة الأعصاب والعمود الفقري، إلى أن الانزلاق الغضروفي يحدث عندما تبرز «النواة اللبية» (المادة الجيلاتينية داخل القرص) عبر تمزق في «الحلقة الليفية» المحيطة بها، ويعود ذلك إما لعمليات التنكس الطبيعي المرتبط بالتقدم في العمر، أو نتيجة إصابات مفاجئة وضغوط ميكانيكية خاطئة على العمود الفقري.
ويضيف: لا يسبب الانزلاق أعراضاً في بعض الحالات، ولكن عند ضغطه على الأعصاب، تظهر مجموعة من المضاعفات التي تتراوح في شدتها، مثل الألم الجذري المزمن الذي يستمر ويمتد من أسفل الظهر وصولاً إلى الأطراف السفلية، والضعف الحركي الذي يصل إلى حد الإصابة بـ «سقوط القدم» نتيجة تضرر العصب المسؤول عن الحركة.
ويؤكد د.رزق أن خيارات العلاج تطورت لتصبح أكثر دقة وأقل تدخلاً، وهي تُقسم إلى مستويات بحسب حالة المريض، وأثبتت المراجعات العلمية أن الغالبية العظمى من الحالات تتماثل للشفاء عبر العلاج الطبيعي وبرامج تقوية عضلات الجذع، واستخدام مضادات الالتهاب مع تقليل الاعتماد على المسكنات الأفيونية، وتعديل الأنشطة اليومية بدلاً من الراحة التامة في الفراش.
ويضيف: عند فشل العلاج، يتم اللجوء لخيارات أكثر تقدماً، كالتدخلات الموجهة والجراحة طفيفة التوغل، مثل الحقن فوق الجافية بحقن الستيرويدات الموجه بالتصوير لتخفيف الألم الجذري، والجراحة المجهرية التي تظل المعيار الذهبي للجراحة، وتقنيات المنظار التي تتميز بشقوق جراحية أصغر، ونزف أقل، وعودة أسرع للحياة الطبيعية.