كيف تنظر وسائط الإعلام إلى صنّاع المحتوى؟ المسمّى يشير إلى أشخاص، لا إلى صناعة المحتوى. عندما ظهرت وسائط التواصل، كان العمل في هذا المجال الجديد، يضطلع به الخبير الذي يكتب «كود» البرمجة، وكان آخر يُعدّ النص والصورة، أي المسؤول عن المحتوى، تمييزاً له من زميله كاتب «الكود»، فسُمّي صانع المحتوى.
هذا التوضيح ينقذ من بعكوكة مفارقات طريفة، وإلاّ انصرف الذهن إلى أن الصحافة ومحطات الإذاعة وقنوات التلفزيون، ليست بصانعة محتوى. كاريكاتوريّاً، تصبح المجلات والجرائد، بكل أنواعها ووتيرة صدورها، بلا مضمون، مثل كتاب: «كل ما تعرفه عن المرأة»، صفحاته بيضاء من غير سوء. وما الذي يمنع من جرّ كل كتّاب العالم إلى هذا المنزلق الكوميدي، فلا يغدو حتى تولستوي ونجيب محفوظ وفيكتور هوغو والطيب صالح، من صنّاع المحتوى؟
ماذا يفعل الإعلام التقليدي أمام «يأجوج وماجوج» صنّاع المحتوى، مع حفظ الألقاب؟ لبعضهم مليون متابع، ولآخرين بضعة ملايين. أرقام لا يستطيع الإعلام التقليدي، وخصوصاً المطبوعات الورقيّة، تحقيقها بسهولة. عائدات صانع المحتوى المتألق وفيرة، وله حصاد من الإعلانات، ولا يرهقه نقل مطبوعات ورقية، وهو حرّ طليق بلا تكاليف توزيع خارجي. قبل أن يرتدّ إليه طرفه، يكون محتواه على شاشات مليونيّة.
هل القلم محقّ في ما ذهب إليه؟ لقد أَطلق على صناعة المحتوى، وصف: شيوعية الإعلام، أو الشيوعية الإعلامية، استناداً إلى أن الحدود التي كانت الصحافة وأخواتها، ترسمها حول المهنة، قد زالت. لم يعد صنّاع المحتوى في حاجة إلى سنوات معاهد الصحافة وكليات الإعلام. لقد تحرّروا من الدارين كما يقول المتصوّفون. لا مجال هنا لفن التحرير الإعلامي، ومؤلفات مكتبته، فلا داعي لتجرّع كتاب عن إجراء الحوار، وثان للتحقيق وثالث للاستطلاع... ثم بشراهم، فقد أجمع القوم على تطليق الفصحى بالثلاثة آلاف، فعليها ألاّ تُفصح، فالحلّ عندها أن «تَفصع»، فعلى باب مدينة صناع المحتوى: «ممنوع دخول النحاة».
حذار الخبط والخلط، فليس الطرح: هل سيختفي الإعلام التقليدي تحت ضغوط النسبة والمناسبة في المساحة والقدرة على الانتشار؟ هذا طرح لا معقول، إنما الاستشراف السليم: هل يستطيع الإعلام التقليدي تغيير قواعد لعبته هو، ليجدّد حياته ويستفيد من فرص التحول والتطوّر العصريين؟
لزوم ما يلزم: النتيجة التكميلية: شهية القلم إلى الذهاب أبعد، انفتحت. اليوم اختتام القمة الإعلامية. لكن، وفاءً لها نواصل، بإذنه.
