هل لاحظتَ أنه منذ ظهور المعلوماتية والشبكة، حدث للإعلام ما يشبه انقسام الخليّة؟ في نشوء الكائن الحيّ، تظل كل واحدة من تريليونات الخلايا، محتفظةً برموز الحمض النووي. في النموذج الإعلامي، نرى انبعاث أجناس مختلفة عن المفاهيم الإعلامية السائدة، منطلقات مغايرة، وغايات لا علاقة لها بالأصل.
منذ أوائل التغريدات في «تويتر»، بدا الأمر كالمارد المنطلق من قمقم. ودّع الناس هريرة الرقابة، وهل تطيق وداعاً أيّها الإعلام القديم؟ لم يعد ممكناً الركض وراء مئة أرنب في آن: «تكاثرتِ الظباء على خراشٍ.. فما يدري خراشٌ ما يصيدُ». باتت المفاهيم والضوابط في حاجة إلى إعادة نظر، وربما إعادة تدوير. الذكاء الاصطناعي زاد الطين ألف بلّة، فقد أضحى أيّ ذي جوّال مشبوك، يقرأ ويسمع بأكثر من مئة لغة. أين المفرّ؟ بتعبير الطغرائي: «فإن جنحتَ إليه فاتخذ نفقاً.. في الأرض أو سُلّماً في الجوّ فاعتزلِ». المشكلة المهنية الأخلاقية الاجتماعية، هي استحالة وضع ضوابط عادلة إعلاميّاً. الشركات المالكة للوسائط، تمنع بث ما لا يناسبها هي، فقط.
التطوّر التالي، كان أخطر وأدهى، ويمكن وصفه بأنه سطو السعر على القيمة. صار معيار التقويم عدد اللايكات. تخيّل صوتاً من ذلك النوع الذي وصفه ابن الرومي: «يُفزَّعُ الصبْية الصغار بهِ.. إذا بكى بعضهم ولم يَنَمِ»، ولكن صاحبته خليعة، فإنها تستطيع كسب ملايين الإعجاب، ما لا يجمعه موقعا أم كلثوم وماريا كالاس، معاً. لكن الحقيقة تأبى، مهما تكن أحكام الظروف الآنية، أن يعلو السعر على القيمة. من منطلق هذا الحق الأبقى، يجب أخذ الحذر الشديد، من الانجراف إلى هذه التيارات، التي لا يمكن أن تشيد قيماً يكتب لها البقاء. التسونامي ردّ فعل طبيعي، لكنه ليس نظاماً بيئياً.
تنبني على ذلك ضرورة عدم الانجرار وراء ما لا يقوم على منظومة قيم إعلامية متكاملة. النظام البيئي بليغ: «فأمّا الزبد فيذهب جفاء وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». على الإعلام أن يفكّر مليّاً في الأسباب النفسية والاجتماعية والسياسية، التي تجعله يفقد بعض دوره فيتراجع. هل هو الذي فقد بعض إحساسه بالمسؤولية والأمانة الإعلامية، فملأ غيره الفراغ؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الإلحاحية: لعلّ أيام يوبيل منتدى الإعلام العربي، تطرح هذه المسائل، في أثناء المداخلات.
[email protected]
[email protected]
