ألا تعاتب الذاكرة على أنها لم تتذكر الحادي عشر من سبتمبر في يومه، وهو اليوم المشهود الذي غيّر مجرى التاريخ، وألقى به في جمع مجرى؟ إن شئت الحقيقة، فأمثاله في ألوف السنين الخوالي كثيرة. إنما الجديد الذي اجترحه بجراحه، هو استصغار العالم، استخفاف الأمم، استضئال الشعوب واستهباء الإنسان. كأنك استنكرت اشتقاق الاستهباء من الهباء. وقد لا تجد التهبئة أيضاً، ولا الإهباء والتهبئة والاهتباء. هدّئ من روعك، فمنذ أمد بعيد قرئت فاتحة الابتكار اللغوي.
بالمناسبة، لماذا تهيج براغيث الفضول، لمعرفة أسرار ما حدث للبرجين؟ ليس المقصود حبّ الاطلاع، معاذ الله، فلا يظنّنّ أحد بالقلم الظنون، فقد نشأ الناس على أن الجبال لا تهزّها الرياح، وأنه لا إيلام للجراح. لكنّ ما يثير الدهشة الوجومية لا الهجومية، والاهتمام الهلامي، لا ردّ الفعل الاستراتيجي، هو غياب السؤال والاستفهام، الذي يعني لا حياة لدوافع المعرفة وحوافزها. هكذا لا تنبثق في الذهن رغبات ذات إصرار على اكتشاف الرابط، بين الحادي عشر من أيلول الحالك السواد، وبين رحى «الفوضى الخلّاقة»، التي لم تشبع طحناً، وإن أشبعها الناس جعجعة. الثناء على الآبنوسة كونداليزا، التي طرّزت اسمها بنصف جوكوندا والنصف الآخر من موناليزا، لقد شرحت صدر العالم بشرح تحفة نظريتها، قالت: «الفوضى الخلّاقة هي أن تسوّي كل شيء بالأرض، ثم تبني من جديد، فإن تعذّر ذلك عليك، فدع الأمر، فالأيام كفيلة به، المهم أنه لن يعود كما كان». هذا الشرح بحبحه القلم، فهو مثل ما كانت المناهج تضعه على أغلفة الكتب المدرسية: «طبعة منقحة ومزيدة».
الآن، فكّر في بلدان العالم الثالث، في إفريقيا وآسيا. كم عدد المفكرين والمثقفين في مليارات نفوسها؟ ألا يتساءلون مع فنجان شاي بنكهة الفلسفة: كيف تصنع القوة بسهولة التاريخ بالأكاذيب؟ وعندما تنكشف الفرية تقول: «العذر عند كرام الناس مقبولُ». بعد الأكذوبة الثالثة أو الرابعة تصرخ القوة في وجه المتشككين: الويل لكم، فأنتم مرضى نظرية المؤامرة، وطبعكم نكران الجميل، فغايتنا التحرير من الاستبداد ونشر الديمقراطية والقيم الحضاريّة الغربيّة، وتخليص الكوكب من الإرهاب.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفيزيائية: على الأمّة أخذ دورات مكثفة في نظريّة النسبية، لتعلم الربط بين الحادي عشر من سبتمبر، والفوضى الخلاقة وخريطة الأحلام الشرق أوسطيّة.
