الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بريطانيا.. من الإدانة إلى العقاب

18 سبتمبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 18 سبتمبر 00:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تعب العالم من إدانة تصل متأخرة. ثم تغادر مبكراً تاركة الضحية أمام الجرافة، والمتطرف أمام فرصة جديدة للتمادي. استُهلكت كلمات القلق والاستنكار، حتى بدا أن البيانات الدبلوماسية تلاحق الاستيطان لتسجل تقدّمه، فيما يعجز أصحابها عن إيقافه. وحين تتكرر المخالفة من دون كلفة، يصبح التحذير ضجيجاً مألوفاً، ويقرأ المتطرفون ضبط النفس الدولي بوصفه عجزاً يستطيعون البناء عليه.
في هذا السياق، تكتسب الخطوة البريطانية ضد المستوطنات الإسرائيلية معناها. ففي 8 سبتمبر/ أيلول 2026، أعلنت بريطانيا، وتبعتها فرنسا وكندا، عن اتخاذ خطوات لحظر استيراد منتجات المستوطنات، وفرض إجراءات على الجهات التي تسهّل نشاطها، أو تستفيد منه. وربط البيان الثلاثي التحرك بالتوسع الاستيطاني، وعنف المستوطنين، وتهديد فرص قيام دولتين. هكذا بدأ الاعتراض ينتقل من لغة المواقف إلى لغة المصالح: «ما يجري على الأرض قد تصبح له كلفة خارجها».
هذا الإجراء الدولي ليس الأول ضد الاستيطان، فقد سبقته خطوات وطنية وعقوبات محدودة. لكن الجديد هو اتساع التنسيق، واتجاهه إلى النشاط الاقتصادي للمستوطنات. وأبرزت «لوموند» انتقال الاستهداف من بعض الأفراد والمنظمات المرتبطة بالعنف إلى المستوطنات عموماً، بما يواجه محاولة تحويل وجودها إلى واقع اقتصادي معتاد. واعتبرتها الصحيفة، سابقة في اتساع هذا التحرك، بحيث يمكن أن تفتح الباب لما بعدها.
وهكذا انضمت الى بريطانيا وفرنسا وكندا، تسع دول أخرى، في بيان أوسع: الدنمارك، وفنلندا، وأيسلندا، وأيرلندا، والنرويج، وبولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد. هذا التوسع وإن كان متفاوتاً في الالتزامات، لكنه يعني أن الرغبة في تجاوز الإدانة أخذت طابعاً جماعياً مُعلناً. ثم اتسعت الدائرة فرحبت دولة الإمارات، والسعودية، والأردن، وقطر، وتركيا وإندونيسيا، وباكستان، بالقرار البريطاني، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات مماثلة. وكان لتأييد دول تربطها بإسرائيل علاقات، مثل الإمارات ومصر والأردن، دلالة سياسية واضحة: العلاقات لا تلغي الاعتراض على الاستيطان، والانفتاح لا يمنح المتطرفين تفويضاً مفتوحاً.
وجاء الرد الإسرائيلي باستهداف الحضور البريطاني لدى الفلسطينيين. حيث أعلنت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ثم أفادت «رويترز» بمنح لندن ثلاثين يوماً لتنفيذ الإغلاق، إلى جانب إجراءات ضد ممثلين بريطانيين، وإنهاء دور بريطانيا في تدريب قوات الأمن الفلسطينية. لكن المعاقبة الدبلوماسية لا تجيب عن السؤال الذي فجّر الأزمة: إلى متى يُطلب من العالم الدفاع عن حلّ الدولتين، بينما يتسع الاستيطان على الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية؟
وتزداد خطورة المشهد على إسرائيل لأن الاعتراض يتحرك داخل دائرة شركائها التقليديين. هنا تصبح العزلة تآكلاً تدريجياً في استعداد الأصدقاء لتبرير السياسات، أو تحمّل كلفتها. وكان للصحافة العالمية تحليلات واسعة صبت في معظمها مع القرار البريطاني.
ورأى مراسل «لوموند» في التصعيد تعميقاً للعزلة، ولفت إلى أن استبعاد المدربين البريطانيين سيضعف قدرات السلطة الفلسطينية الأمنية. وبذلك يمكن للرد الانتقامي أن يضرّ مؤسسات تحتاج المنطقة إلى استقرارها. جاء ذلك في مقالة نشرت بعنوان: «الرد يكشف أزمة إسرائيل الدبلوماسية». وأضاف أن الضفة الغربية ليست تحت السيادة الإسرائيلية واعتبر تدخلها تدخلاً في السيادة الوطنية الفلسطينية. ولفت إلى مأزق المعارضة الإسرائيلية التي تنتقد نتنياهو لكنها لا تعارض الاحتلال والاستيطان.
أما الكاتب باتريك وينتور في «الغارديان»، فرأى أن القرار أنهى عقوداً من الاكتفاء بالإدانات وانتقل أخيراً إلى إجراء عملي. «الفايننشال تايمز» رأت أن تسريع ضم الضفة دفن لحلم الدولتين، وأن تقسيم الضفة يقضي على قيام دولة فلسطينية. ووصفت الرد الإسرائيلي بأنه غير مسبوق دبلوماسياً. «رويترز» ركزت على محدودية منتجات المستوطنات في صادرات إسرائيل، لكنها نقلت مخاوف أصحاب أعمال استيطانية من خسارة الأسواق والإغلاق.
ومع هذا الغضب العالمي بدا واضحاً أن هذه الخطوة قد تتبعها خطوات أكبر، إذا استمر التوسع الاستيطاني، واتسعت دائرة الدول المستعدة للتحرك. فالباب الذي كان مغلقاً أمام الإجراءات العملية انفتح قليلاً، والمتطرف الذي اعتاد أن يسمع استنكاراً ثم يواصل طريقه متجاهلاً، بات مضطراً إلى حساب احتمال أن يأتي بعد البيان قرار، وبعد القرار كلفة.
من هنا تأتي صلة الخطوة البريطانية بحلّ الدولتين، فحظر الواردات من المستوطنات محاولة لجعل تقويض الدولة الفلسطينية قضية يترتب عليها ثمن، كي لا يبقى الحل حياً في البيانات فقط، وتدفن مقوّماته على الأرض.
* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة