الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الحداثة على مقاسنا

31 أغسطس 2026 00:22 صباحًا | آخر تحديث: 31 أغسطس 00:22 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في إحدى رحلات الشتاء، دعاني صديق إلى الصحراء، ارتدينا ملابسنا التقليدية، وأشعلنا الحطب، وأعددنا طعامنا، كما كنا نفعل دائماً.
كانت رائحة النار تملأ المكان، والرمل يمتد بلا نهاية، حتى خُيّل إليّ أننا ابتعدنا قليلاً عن زمننا. لكن صديقي جاء بسيارة سكنية مجهزة بكل شيء. ونصب أمامها شاشة كبيرة لمشاهدة فيلم في المساء. وبين وهج الحطب والضوء الأزرق المنبعث من الشاشة والمنعكس على الكثبان، كانت هواتفنا لا تفارق أيدينا.
بدا المشهد كله كأنه اختصار لحياتنا، التكنولوجيا في عمق الصحراء، ونحن، بملابسنا وطعامنا وعاداتنا، حاضرون معها في اللحظة نفسها.
كنا نظن أن الصحراء آخر الأمكنة التي يمكن أن نحتمي فيها من زحف المدينة، فإذا بنا نحمل المدينة معنا إليها، لم نعد نغادر عالماً إلى عالم آخر، صرنا نحمل عوالمنا معنا أينما ذهبنا.
ولعل هذه الازدواجية ليست غريبة على مجتمع عاش خلال عقود قليلة، ما احتاجت مجتمعات أخرى إلى أزمنة أطول لتعيشه. جاء التحديث سريعاً إلى درجة أن القديم والجديد لم يجلسا معاً طويلاً ليتفاوضا، لم تُمنح القيم القديمة وقتاً لتقول ما تقبله وما ترفضه، بل وجدت نفسها فجأة داخل واقع جديد لم تختره.
وفي مسار بهذه السرعة، لم يعد التوقف مجرد خيار، قد يصبح اصطداماً بين ما كنا عليه وما أصبحنا عليه.
ومن الصحراء التي حملنا المدينة إليها، نعود إلى الأبراج الزجاجية التي تختصر المفارقة بطريقة أخرى. فهي لا تعكس فقط صورة المستقبل الذي نبنيه، بل تعكس وجوهنا أيضاً، وما يقف خلفنا. الزجاج عاكس وشفاف في آن واحد، وربما نحن كذلك، نعرض حداثتنا للعالم، فيما يبقى الماضي مرئياً خلفها لمن يتأمل جيداً.
لكن، ليس كل ما جاء من الماضي اختفى، وليس كل ما بقي منه يستحق البقاء. بعض القيم صمدت لأنها ما زالت تستحق أن تبقى، وبعض العادات بقيت فقط لأن أحداً لم يضعها أمام اختبارات الزمن.
وهنا أعود إلى تلك الليلة في الصحراء، هل كان لباسنا وطعامنا التقليدي اختياراً واعياً، أم عادة جميلة لم نفكر يوماً في مساءلتها؟
ربما لم نعد نحتاج إلى مكان نهرب إليه من الحداثة. ما نحتاجه أكثر هو أن نعرف ماذا نأخذ منها، وماذا نترك، وماذا نحمل معنا من أنفسنا.
والسؤال الأهم: من الذي فصَّل هذه الحداثة على مقاسنا، نحن أم غيرنا؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة