خلال مراحل الحياة، قد يختار أحدنا دراسة مجال يراه مناسباً، أو يضع هدفاً يتوقع أن يستمر معه لسنوات، أو يعتمد طريقة معينة لتنظيم يومه. يتخذ قراره بناء على ما يعرفه في ذلك الوقت، بناء على خبراته وشخصيته وطموحه والبيئة التي يعيش فيها، والعديد من العوامل الأخرى، ثم تمضي الأيام وتظهر له جوانب لم تكن واضحة من قبل، تزداد خبرته ومعرفته، ويتغير الزمن، وتتغير التقنيات، ويتغير الناس. وبينما يتغير كل شيء، قد يجد البعض أنفسهم بين خيار لم يعد يناسبهم، وتردد يمنعهم من التعديل والتغيير.
لويس كارول، كاتب إنجليزي عاش في القرن التاسع عشر، وعمل أيضاً في مجال الرياضيات. في روايته «مغامرات أليس في بلاد العجائب»، التي تتحدث عن رحلة فتاة تمر بمواقف غريبة ومتغيرة، كتب على لسان الشخصية الرئيسية مقولة جميلة جداً: «لا فائدة من العودة إلى الأمس، لأنني كنت شخصاً مختلفاً حينها». ويمكن ربط المقولة بحياة الكثيرين، إذ قد تتغير طريقة فهم الشخص لنفسه ولما يريده بعد أن يكبر وتزداد خبرته ومعرفته بالحياة.
قد ينظر الإنسان إلى قرار سابق ويتساءل كيف اقتنع به، لكنه يحكم عليه اليوم باستخدام معلومات لم تكن متاحة له حينها. لهذا من المهم فهم الظروف التي اتخذ فيها القرار قبل الحكم عليه. ربما كان الاختيار معقولاً في مرحلته، حتى لو لم يعد خياراً مناسباً الآن. فهمه بهذه الصورة يسمح بالاستفادة منه، بدلاً من قضاء الوقت في الندم أو اللوم.
إن تغيير القرار لا يمحو قيمة المحاولة السابقة. من يبدأ مساراً ثم يكتشف أنه لا يناسب قدراته، يخرج منه بمعرفة لم تكن لديه قبل أن يجرب، وخبرة إضافية. ومن يعدل هدفاً قديماً لا يفقد بذلك قدرته على الالتزام، فقد يكون أكثر وضوحاً في تحديد ما يناسب واقعه الحالي، ويكون أقوى وأكثر همه بهدفه الجديد.
وفي المقابل، لا يحتاج إلى رفض أفكاره السابقة أو الشعور بالخجل منها، فقد اختارها بناء على معرفة وظروف تخص مرحلة معينة. الأفضل أن يحتفظ بما تعلمه منها، ثم يسمح لنفسه باتخاذ قرار يناسب الحاضر. بهذه الطريقة يصبح التغير نتيجة للفهم والمواكبة، وليس تهرباً أو خوفاً.
لا يمكننا تعديل الأمس، لكن يمكننا اختيار الطريقة التي يتم النظر بها إليه. ستبقى قراراتنا القديمة جزءاً من تجاربنا في هذه الحياة. الذي يصنع الفارق هو طريقة نظرنا لتلك التجارب.
