د. إدريس لكريني
تحيل خطابات الكراهية إلى كل التصريحات أو السلوكات والكتابات (منشورات رقمية، رسوم، إيماءات..) المسيئة لشخص أو لفئات اجتماعية، من خلال استعمال لغة تحقيرية أو مبنية على التمييز بسبب العرق والدين والجنس واللون، وهي تختلف جذرياً عن حرية التعبير باعتبارها حقاً مكفولاً يدعم النقد ويعزز النقاشات العمومية، وتتناقض مع الممارسة الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، كما تعد شكلاً من أشكال العنف أو التمهيد له، كما أنها تعبير عن إلغاء العقل.
تنطوي خطابات الكراهية على قدر كبير من الأخطار، فهي تهدد السلم الاجتماعي (سلامة الأفراد ووحدة المجتمعات)، بتكريسها للكراهية والخوف والشك داخل المجتمع، ومساسها بكرامة الإنسان، علاوة على كونها تشكل تمهيداً للعنف الجسدي ولمختلف الجرائم، وتغذي التطرف والإرهاب، وتسهم في تهميش الفئات الأقل حظاً (المستضعفة) داخل المجتمع (ذوي الاحتياجات، الأقليات، والمهاجرين واللاجئين والنساء..)، وتتسبب في أزمات نفسية (الاكتئاب، العزلة، الخوف..)، كما أنها أسلوب مبتذل لتجييش الرأي العام عبر خطابات شعبوية وإشاعات تستهدف كسب نقاط سياسوية وانتخابية.
وتزداد هذه الخطابات خطورة في زمن الرقمنة لتكرس كراهية عابرة للحدود، وبخاصة مع ميل بعض شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع والمحركات الإلكترونية إلى نشر وتعميم المحتويات الشعبوية والفضائحية والمثيرة للجدل، طلباً لرفع نسب المشاهدة والربح، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في إعداد محتويات تصب في هذا الشأن.
إن مواجهة هذه الخطابات تتطلب إرساء استراتيجية شاملة ومتكاملة، تقوم على تعزيز وأجرأة التشريعات التي تواكب التطورات الرقمية (منع الإفلات من العقاب)، وسن برامج تعليمية تدعم التربية على المواطنة، وتسهم في ترسيخ قيم الحوار والتعايش، مع الحرص على حذف المحتويات المسيئة، وإغلاق الحسابات والمواقع المعروفة بنشرها لمحتويات تندرج في هذا الصدد، ونزع التحفيزات المالية (الأرباح) عن المحتويات المسيئة، مع فرض غرامات على المواقع والشبكات التي تنشر هذه الخطابات، بل وممارسة الضغط على شركات شبكات التواصل الاجتماعي لحجب هذه المحتويات وتطوير آليات الكشف عن هذه الجرائم بتوظيف الذكاء الاصطناعي. إضافة إلى بلورة مواثيق أخلاقية تعزز عقلنة وتخليق النشر الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي، زيادة على تشجيع المحتويات الرقمية التي ترسخ قيم التعايش والحوار، ثم انخراط الإعلام والمؤسسات الدينية وهيئات المجتمع المدني في نبذ التطرف والعنف وخطاب الكراهية.
إن مكافحة خطابات الكراهية في زمن الرقمنة ليس رهاناً أخلاقياً فقط بل يجد أساسه في عدد من المواثيق الدولية والقوانين الوطنية، فالقانون الدولي يؤكد أهمية الموازنة بين حرية الرأي والتعبير من ناحية، وحق المساواة وعدم التمييز واحترام الكرامة الإنسانية من ناحية أخرى. وهو ما ترسخه مقتضيات المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة العشرون من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة الثالثة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والمادة الرابعة من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
كما لا تخفى أهمية جهود الأمم المتحدة في هذا الشأن، حيث تم اعتماد اليوم العالمي لمكافحة خطابات الكراهية بتاريخ 18 يونيو/ حزيران من كل عام كمناسبة للتحسيس بمخاطر هذه الخطابات، كما وضعت الهيئة في عام 2012 خطة عمل الرباط كإطار لتمييز خطاب الكراهية عن حرية التعبير، وخطة مسقط 2026 لاحتواء خطاب الكراهية في زمن الرقمنة. وكثيراً ما عبرّت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن رفضها لتوظيف التكنولوجيا الرقمية في نشر خطاب الكراهية.
لا يمكن إغفال الجهود المبذولة في السياقين الوطني والدولي للحد من انتشار هذه الخطابات في عالم مفتوح ومترابط بشبكة معقدة من العلاقات التي عززتها التطورات التكنولوجية والرقمية، لكن ذلك لا يخلو من صعوبات وتحديات يمكن إجمالها في غياب معايير دولية متفق عليها لمواجهة الظاهرة لاعتبارات ثقافية وحقوقية ودينية، وعدم وجود مفهوم دقيق ل«خطاب الكراهية» في القانون الدولي، ذلك أن المعاهدات الدولية تتطرق ل«التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف»، إضافة إلى تباين التشريعات الوطنية، من حيث صرامتها في ما يتعلق بتجريم هذه الخطابات، علاوة على تفشي الخطابات الشعبوية والمتطرفة، وتحولها إلى قناعات لدى أفراد وجماعات في مناطق مختلفة من العالم.
