حين يقتل صحفي، لا يُغتال إنسان وحده، قد تختفي معه شهادة، ويغلق الطريق إلى حقيقة كان آخر من اقترب منها. وحين تمرّ الجريمة بلا عقاب، يصبح أثرها أوسع من إسكات صوت واحد، يتعلم المعتدي أن العنف قليل الكلفة، ويتعلم الشهود أن الكلام قد يكون خطراً، ويخسر المجتمع جزءاً من قدرته على المعرفة والمُساءلة.
في 2 نوفمبر(تشرين الثاني) من كل عام، يُحيي العالم اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، وهو اليوم الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2013. وقد اختير هذا التاريخ تخليداً لذكرى الصحفية غيسلين دوبون، والفني الإذاعي كلود فيرلون، اللذين اختُطفا وقُتلا في مالي في 2 نوفمبر(تشرين الثاني) من العام نفسه أثناء عملهما لإذاعة فرنسا الدولية. تحولت المناسبة إلى موعد لمُساءَلة العالم عن المسافة التي تفصل تعهّداته بحماية الصحافة عن قدرته على محاسبة من يعتدون عليها.
وتكشف الأرقام أن المسافة ما زالت شاسعة. ففي بيانات نشرتها اليونسكو في 2 نوفمبر (تشرين الثاني)2026، ارتفع عدد معدل الإفلات من العقاب في جرائم قتل الصحفيين التي تتابعها المنظمة إلى 86% عن التقرير السابق، في أعلى ارتفاع منذ بدء قياس المؤشر. ووثقت المنظمة مقتل 189صحفياً خلال 2024 و2025، بينهم 127 في مناطق النزاع. وتعني هذه النسبة أن الأغلبية الساحقة من القضايا التي يرصدها المؤشر ما زالت بلا حسم قضائي.
من جانبها، أعلنت لجنة حماية الصحفيين في تقرير نشرته في فبراير(شباط) 2026 مقتل 129 صحفياً وعاملاً إعلامياً خلال 2025، وهي أعلى حصيلة سنوية سجلتها منذ بدأ توثيقها سنة 1992. ونسب التقرير إلى إسرائيل المسؤولية عن ثلثي الوفيات. وخلف هذه الأرقام، تمتد وقائع تاريخية وحديثة تظهر أن الاعتداء على الصحفيين يتجاوز جغرافيا الحروب. فالصحفي الذي يقترب من فساد نافذ، أو جريمة مُنَظمة، أو انتهاك ترتكبه أجهزة دولة، قد يواجه خطر القتل. وحين يغيب الردع، تصبح الجريمة وسيلة لإدارة المجال العام.. يعني ما لا يمكن تنفيذه يمكن محاولة إسكاته.
وفي ساحات الحرب تزداد أهمية هذا السؤال، لأن الصحفي لا ينقل الوقائع وحدها، بل ينتج مادة قد تصبح لاحقاً دليلاً على انتهاك. لذلك تَحوّل وجوده إلى عبء على من يريدون احتكار الرواية، أو محو آثار أفعالهم. قُتلِت المراسلة الأمريكية ماري كولفن في حمص عام 2012 أثناء عملها الصحفي. وفي 2019 قضت محكمة اتحادية أمريكية بمسؤولية الحكومة السورية عن قتلها. وفي فلسطين، أصبحت شرين أبو عاقلة أحد أبرز وجوه السؤال المفتوح على العدالة. فقد قتلت في جنين في 11 مايو(أيار) 2022 أثناء تغطيتها عملية عسكرية إسرائيلية. وأعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن المعلومات التي جمعها تتسق مع كون الرصاص الذي قتلها وأصاب زميلها علي السمودي قد جاء من القوات الإسرائيلية. وأنه لم يجد معلومات تشير إلى نشاط لمسلحين فلسطينيين في الجوار المباشر للصحفيين.
ومع مرور السنوات، بقيت المطالبة بالمحاسبة قائمة. ففي مايو(أيار) 2026، قالت لجنة حماية الصحفيين إن التحقيق الأمريكي المُعلن في مقتلها يبدو مُتعثِراً، مع استمرار غياب المساءلة. وهكذا، لم تكن شهرتها الواسعة، ولا الشهادات، ولا التحقيقات التي تناولت مقتلها، كافية لضمان وصول القضية إلى نتيجة قضائية تُنصف الضحية وأسرتها.
وفي غزة، اتخذ الخطر على الصحفيين حجماً يُهدّد قدرة المجتمع على توثيق ما يجري له. فقد أشارت لجنة حماية الصحفيين إلى حصيلة قياسية من قتل للصحفيين الفلسطينيين، وإلى أن منع الدخول المستقل للصحافة الأجنبية، وتدمير البنية التحتية، وضياع الأدلة، يجعل التحقيق في ظروف كل وفاة أشدّ صعوبة.
تتشكل هنا دائرة خطرة: يُقتل من يوثقون، ثم يصبح توثيق قتلهم أكثر صعوبة. تضيع الكاميرا، ويُدمّر الأرشيف، يتشتت الشهود، فتتعرض ذاكرة الحدث نفسها للخطر. ولا تقتصر الخسارة على خبر غاب عن الشاشة، إنها تشمل أدلة قد يحتاج إليها القضاء، وشهادات يحتاج إليها التاريخ.
ولا ينتهي الأمر عند القتل. ففي إحصائها بتاريخ 1 ديسمبر(كانون الأول) 2025، رصدت اللجنة وجود 330 صحفياً في السجون بسبب عملهم، وكان نصفهم بلا أحكام.
حين يفلت قاتل من العقاب، تضيع الحقيقة لذلك، فيوم 2 نوفمبر(تشرين الثاني) خُصِص للتذكير بمحاسبة المعتدين: إنها حق الناس في أن يعرفوا ما لا يُراد لهم أن يعرفوه.
* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
