في الحوارات والنقاشات، يدخل البعض وهو مقتنع بأن رأيه هو الصحيح، يشرح موقفه، ثم يستغرب كيف لا يراه الآخر بالطريقة نفسها. ومع زيادة حدة الحوار، يصبح الهدف الدفاع عن الرأي، وليس معرفة ما الذي جعل الطرف الآخر يصل إلى نتيجة مختلفة. وقد ينتهي النقاش من دون ملاحظة أن الخلاف لم يكن حول الموقف والرأي، بل عن الفوز.
الروائية الإنجليزية ماري آن إيفانز، إحدى كاتبات القرن التاسع عشر، في روايتها «ميدل مارش»، التي تصور حياة أشخاص تجمعهم بلدة واحدة وتختلف دوافعهم واختياراتهم، كتبت مقولة جميلة عن طريقة التفكير عند النظر للأمور: «العقل الضيق هو الذي لا يستطيع النظر إلى الموضوع من زوايا متعددة». لا تدعو العبارة إلى ترك الرأي عند أول اعتراض، لكنها تدعو إلى ألا نجعل ما نراه هو الاحتمال الوحيد.
على سبيل المثال، قد يعتقد المدير أن الأولوية تكمن في الموعد النهائي؛ لأنه ينظر من تلك الزاوية، بينما يرى الموظف أن المهم هو الجودة، حتى وإن حدث تأخر، لا يعني هذا المثال أن أحد الطرفين على صواب دائماً، بل يوضح أنه إذا نظر واحدٌ منهما لزاويته فقط، فلن يقتنع برأي الطرف الآخر. أحياناً لا يكون الرأي المختلف معارضة لنا، وإنما نافذة توجهنا إلى جانب لم ننتبه إليه.
ومع ذلك، فإن النظر إلى الموقف من زوايا متعددة لا يعني أن جميع الآراء صحيحة. هناك آراء تفتقر إلى المعلومات، وأخرى تقوم على افتراضات غير دقيقة، لكن اكتشاف ذلك يحتاج إلى الاستماع والسؤال، وليس إلى الرفض السريع؛ ففهم الرأي لا يلزمك بتبنيه، وإنما يساعد على قبوله أو رفضه بناءً على أسباب أوضح بدون عوامل شخصية.
قبل الحكم على موقف أو شخص، يمكن التوقف قليلاً وفصل ما نعرفه عما نريد سماعه، أن نسمع القصة كاملة، ونفكر في الجوانب المتعددة لها، ونعطي الرأي الآخر فرصة عادلة، هذه الأمور لا تجعل الاختيار أسهل دائماً، لكنها تجعله أكثر وعياً وإنصافاً.
قد نبقى في النهاية على رأينا نفسه، لكننا لن نعود إليه بالطريقة ذاتها. سنعرف المزيد، ونفهم ما لدى الجهة الأخرى، وربما نعدل جزءاً صغيراً منه فيصبح أفضل. العقل الواسع ليس الذي يوافق الجميع أو الذي يرفض الجميع، بل الذي لا يخشى أن يغير مكانه قليلاً أو كثيراً ليرى الأمور بشكل أوسع.
