وقف أنطونيو غوتيريش، بصفته الأمين العام للأمم المتحدة، ليلقي خطابه الأخير أمام الجمعية العامة في دورتها الحادية والثمانين، ويصارح الحاضرين بما يرى ويسمع ويستشرف، ونجح مرة أخرى في تشخيص الواقع الدولي الذي يعاني انقسامات حادة، وبلغ درجة حرجة من الاستقطاب الذي أصبح يهدد بانهيار الركائز الأساسية للنظام الدولي المتعدد الأطراف.
مواقف غوتيريش كثيراً ما تثير الجدل، وجاء خطابه الأخير بمثابة وصية أخلاقية لقادة العالم، قبل أن يسلم المشعل الأممي لخليفته مطلع العام المقبل. ولم يتردد، في كلمته الوداعية، التي غلبت عليها الصراحة الصادمة في التحذير من خطر الانزلاق نحو الفوضى والتنصل من الالتزامات القانونية والأخلاقية، وطالب القوى العظمى بإدراك أن «قوتها ليست خارقة كما تبدو»، وأن الاستمرار في تغليب منطق السلاح والامتيازات الضيقة لا ينتج سوى نظام عالمي مشلول، يعجز عن حماية المدنيين أو صياغة غدٍ آمن. وأنهى غوتيريش كلمته بلمحة شخصية مؤثرة حظيت بتصفيق حار من الوفود، مؤكداً أنه حتى بعد مغادرته المنصب الرسمي سيبقى مدافعاً شرساً عن المبادئ التي أُسست عليها منظمة الأمم المتحدة.
لقد ظل غوتيريش عشرة أعوام على رأس الأمانة العامة للأمم المتحدة، عايش خلالها حروباً وأوبئة وأزمات إنسانية وطفرة تكنولوجية فائقة الذكاء والمخاطر، واطلع على تحديات جسام تواجه البشرية أهمها تغير المناخ واتساع عدم المساواة والاستخفاف بالمواثيق والقوانين الدولية، ليصل في نهاية مسيرته الأممية إلى قناعة راسخة بأن الأزمة الحقيقية تكمن في شلل الإرادة السياسية للقوى الكبرى، لا سيما أن أروقة الأمم المتحدة، تحولت في عهده، من منصة لصناعة السلام إلى ساحة لإدارة النزاعات والعجز عن إعلاء قيم العدالة والأخلاق، بل والاستسلام إلى نزعات متطرفة لا تؤمن بعالم يحظى فيه الجميع، على قدم المساواة، بالحقوق المنصوص عليها في ديباجة الأمم المتحدة وإعلاناتها التاريخية.
ما أعلنه الأمين العام المنتهية ولايته، يدق ناقوس الخطر حول العجز الدولي المتفاقم عن إنهاء الأزمات ولجم النزاعات في بؤر التوتر الساخنة في أوروبا والشرق الأوسط، وهو مسار يهدد بفرض معادلات جديدة في العلاقات الدولية. وقد تجلت هذه المخاوف في كلمات عدد من قادة الدول، الذين تناوبوا على المنبر الأممي، والجامع بينها هو الإقرار الجماعي بفقدان الثقة في قدرة النظام العالمي الحالي على فرض قراراته بسبب ازدواجية المعايير وشلل مجلس الأمن وفشل آليات العمل الجماعي إزاء الأزمات الراهنة التي يتطلب حلها وحدة الموقف الدولي حتى يتم إخماد بؤر التوتر واحدة بعد واحدة، ما يحول دون توسعها إلى صراعات أوسع.
اجتماع العالم في الأمم المتحدة فرصة لمراجعة السياسات الراهنة وإعادة التوازن لنظام دولي يتداعى تحت وطأة الاستقطاب. وربما تلهم خطورة هذه اللحظة التاريخية الدول الأعضاء، وخاصة القوى المؤثرة، العمل على وضع آليات لاتخاذ قرارات جريئة تعيد إلى المنظمة الأممية القدرة على استعادة دورها التاريخي في كسب ثقة الشعوب وصون السلم والأمن الدوليين.
