من دون تخطيط ولا موعد مسبق ولا حتى مكالمة، قد تلتقي بصديق أو شخص تعرفه ويكون هذا اللقاء من أجمل اللقاءات التي حدثت لك، وتقول في نفسك: ما هذه الصدفة الجميلة، والتوقيت الأجمل؟
أو قد يجلس بجوارك في مقعد رحلة قطار أو في الطائرة شخص غريب وتبدأ بالحديث معه وتكتشف بأنه يحمل لك معلومة كنت تبحث عنها طويلاً دون أن تجدها، كأنه جاء ليضع بين يديك الإجابة عن لغز ظل يشغل بالك، فتقف مندهشاً وتتساءل: ما الذي يحدث؟
وهكذا هي الحياة مليئة بالمفاجآت التي قد يستغرب منها البعض، ويُسميهّا حظاً أو صدفة، غير أنها في الحقيقة ليست شيئاً من ذلك، بل هي تخطيط إلهي دقيق لا تراه العين، لكن القلب المؤمن يُحس به ويعرفه.
قد تكون تلك اللحظة ثمرة دعاء صادق رفعته إلى الله في خلوة لا يعلمها أحد، فاستُجيب لك في الوقت الذي لم تتوقعه، أو تكون وليدة نية صافية حملتها في قلبك وأنت متوكل على الله وحده، فتحقق ما أردت، ولو بعد حين.
الإنسان يمضي في هذه الحياة وهو لا يملك فيها شيئاً حقيقياً، سوى توكله على الله، وما تلك الصدف الجميلة التي تُدهشنا إلا لمحات من رحمته، ودليل على أنه، سبحانه وتعالى، لا يغفل عن عبده، ولا يتركه يمشي وحيداً.
ولعل من أجمل ما في هذه اللحظات أنها تأتي حين لا ننتظرها، وتُفاجئنا حين نكون في أشد الحاجة إليها، فكم إنسان أشغله همُ ثقيل أياماً وأسابيع، ثم جاءته الإجابة دون سعي منه، في كلمة سمعها، أو لقاء عابر جمعه بشخص، أو فكرة خطرت على باله فجأة في لحظة هدوء.
ومن هنا، تكتسب الصدفة قيمتها الحقيقية، ليس لأنها مفاجأة، بل لأنها تجديد للثقة واليقين بين العبد وربه، هي لحظة يُدرك فيها الإنسان بعمق أن ثمة نظاماً أعلى يُدير الأمور بحكمة تفوق كل تخطيط بشري، فيطمئن القلب، وتهدأ النفس، ويمضي في طريقه بخطوات أثبت وقلب أكثر يقيناً.
