الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوديسة العصر

26 سبتمبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 26 سبتمبر 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
يثير النجاح الكبير لفيلم «الأوديسة»، للمخرج كريستوفر نولان تساؤلات عميقة، لا سيما حول شغف الإنسان بالتاريخ والأسطورة والملاحم والقصص العجائبية في عصرنا الراهن بسماته الاستهلاكية. وإذا كان البعض يعزو هذا التميز إلى الجهود الإبداعية لنولان، فإن السر الحقيقي يكمن في الغرائبية وروح التحدي والصراع الكامن في هذه الملحمة الخالدة؛ بدليل نجاح فيلم آخر بعنوان «العودة» الذي أنتج عام 2024، للمخرج أوبيرتو بازوليني، والذي استلهم مضمونه أيضاً من الأوديسة.
الأوديسة هي قصيدة ملحمية إغريقية كبرى منسوبة للشاعر هوميروس تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. تتكون من 24 جزءاً وتتناول عودة البطل أوديسيوس وصراعاته مع الوحوش واستعادة عرشه بعد مواجهات بطولية مع الصعاب، ومن الفتوحات الكبيرة لهذا النجاح أنه قد أعاد الاهتمام مرة أخرى بأدب الأساطير والملاحم والحكايات القديمة، فالملاحظ أن اهتمام جمهور القراءة والأفلام صار في الآونة الأخيرة موجهاً نحو الفنتازيا والأساطير والخيال العلمي وكل ما يحلق بقوة الخيال متجاوزاً قسوة الواقع في عالم متغير ويمور بالصراع.
ويبدو أن سر نجاح هذا العمل السينمائي الضخم، وكذلك الأعمال الروائية التي تحلق في فضاءات متخيلة، يعود إلى أن مأساة الإنسان لم تتغير، فالعالم يعيش في أجواء ربما تبدو مشابهة من حيث الصراعات والحروب والتشظي النفسي والحياة الفردية، وهذا يدفع الجمهور نحو قراءة مؤلفات ومشاهدة أعمال تقدم عمقاً وجودياً، وتصنع حواريات حول القضايا والأسئلة الكبرى التي تجابه البشر في واقع اليوم.
قدم الفيلم صورة بصرية غير مسبوقة؛ إذ استلهم المخرج لوحات عالمية تاريخية لتقريب فكرته، مثل تجسيد وحش «السيكلوب»، المستوحى من لوحة الفنان فرانسيسكو غويا «زحل يلتهم ابنه»، والعمل على تصميم بيئة الكهوف بناءً على لوحة «جزيرة الموتى» للفنان أرنولد بوكلين.
هذا النجاح الضخم للفيلم، سوف يفتح الباب مشرعاً للاتجاه نحو الأعمال ذات الطابع الميثولوجي والمستغرق في الخيال، فكلما زادت ضغوطات الحياة، بحث البشر عن منافذ تحلق بهم بعيداً عن واقعهم، ربما هو شكل جديد من الاغتراب لكن طبيعة العصر تفرضه بقوة.
يعيش إنسان اليوم في عالم غامض، يبدو فيه الفرد مثل «أوديسيوس»؛ يبحر يومياً وسط خضمّ المؤثرات والمغريات البصرية في فضاء رقمي وافتراضي فرضه التطور التكنولوجي الهائل. وكأن المرء يواجه عبر هذه الجاذبية البصرية «نداء السايرنز»؛ تلك الكائنات الأسطورية القاطنة بجزيرة صخرية في حكاية الأوديسة، والتي كانت تشدو بغناء ساحر يغوي البحارة ويدفعهم نحو تحطيم سفنهم على الصخور والهلاك، فلم يكن ذلك النداء في الحقيقة إلا وهماً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة