الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قمة «ترويض» الذكاء

26 سبتمبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 26 سبتمبر 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في اللحظة التي بلغت فيها المنافسة بين أمريكا والصين أوجها على الصعيدين، التجاري والعسكري، جاءت قمة البيت الأبيض بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، لتقدم مشهداً مختلفاً، لم تطغَ عليه التهديدات الجمركية التقليدية، ولا استعراض القوة في بحر الصين الجنوبي، بل تصدّره ملف أكثر تعقيداً وخطورة، وهو الذكاء الاصطناعي، وكيفية كبح جماحه قبل أن يخرج عن السيطرة البشرية.
أن يجلس القائدان في المكتب البيضاوي ليتحدثا عن «الذكاء الفائق» وضوابط التكنولوجيا، فهذا إقرار ضمني بأن العالم يقف أمام سباق من نوع جديد، لا يقاس بعدد الصواريخ، أو حجم الأساطيل، بل بمدى القدرة على السيطرة على خوارزميات قد تفرز مخاطر تتجاوز حدود الدول، وقدرتها على الاحتواء.
لم يكن تصريح ترامب حول دور الذكاء الاصطناعي كمحور أساسي للمحادثات، ولا حديث شي عن المسؤولية التاريخية لإدارته «بما يخدم المصلحة العامة»، مجرّد مجاملات دبلوماسية، بل تعبيراً عن قلق عميق يساور القوتين الأكبر في العالم، خاصة بعد التحذيرات المتزايدة من خبراء التكنولوجيا حول المخاطر الوجودية التي قد تحدق بالبشرية مع نهاية هذا العقد.
لكن السؤال المطروح وسط هذه الأجواء الاحتفالية والاستقبال الحافل، هل يمكن لتلاقي الطرفين في ملف التكنولوجيا أن يبني جداراً من الثقة الصلبة بين بلدين تجمعهما مصالح معقدة، وتفرق بينهما خلافات بنيوية؟
الواقع يؤكد أن القمة حافلة بالرسائل، وأهمها إدراك الطرفين أن المواجهة المباشرة ستكون مكلفة للغاية، ولا رابح فيها، ومن هنا جاءت دعوة الرئيس الصيني إلى تجنب النزاع، والتشديد على ضرورة الحفاظ على حوار منتظم بين جيشي البلدين لمنع أيّ سوء فهم قد يؤدي إلى أزمة غير محسوبة، وهذه محاولة حثيثة للبحث عن نقاط تقاطع في مساحة ضيقة من المصالح المشتركة، وسط رغبة متبادلة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة حتى في أحلك أوقات التوتر.
يمتد هذا التوافق ليشمل القواعد الأمنية والتنظيمية، إذ يدرك الزعيمان أن الاستقرار الرقمي والسياسي لم يعُد خياراً ثانوياً، بل ضرورة ملحّة تحمي الاقتصاد العالمي والتوازنات الاستراتيجية الدولية من هزات غير محسوبة.
غير أن التفاؤل المفرط قد يصطدم بواقع المنافسة المحمومة، فبينما يسعى الطرفان لتهدئة المخاوف العامة من المجهول التكنولوجي، تظل الحقيقة الصلبة هي أن أحداً منهما لن يفرط في تفوقه، الرقمي أو الاستراتيجي، لحساب الآخر، ومهما بلغت حدة التحذيرات من «الفوضى الذكية»، فإن حدود الاتفاقات بين واشنطن وبكين ستظل محكومة بآليات التنافس التي لن تتوقف.
قمة واشنطن أثبتت أن التكنولوجيا، بقدر ما تشكله من تهديد ومصدر قلق للجميع، قد تَحوّل دورها إلى منصة لحوار اضطراري يجبر الخصوم على الجلوس إلى الطاولة ذاتها، إذ إن الخوف من المستقبل المشترك ربما يكون، في لحظة فارقة، هو الكابح الوحيد الذي يمنع القوى العظمى من الانزلاق نحو صدام يلتهم الأخضر واليابس.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة