النزاعات العسكرية حول العالم لها أثرها الكبير في الاقتصاد بشكل مباشر، فالحروب تؤثر في التبادل التجاري، إضافة إلى استنزاف الموارد وتسخيرها كلها للحرب.
اليوم يمر العالم بتحولات اقتصادية كبرى تؤثر حتى في الدول الكبرى، حيث تُعتبر الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم، إذ تستهلك 20 مليون برميل يومياً، وهي، في نفس الوقت، أكبر منتج للنفط في العالم، حيث بلغ إنتاجها 13,4 مليون برميل يومياً. وتستورد ما يقارب 70% من وارداتها من النفط الخام من كندا حيث تستورد نحو 60% من الواردات، وتستورد من المكسيك 7%، وشكّلت منطقة الخليج العربي 8% من وارداتها النفطية. بينما تستورد الباقي من مناطق أخرى.
وتحتاج العديد من المصافي الأمريكية إلى النفط الخام الثقيل لزيادة إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات. في حين أن معظم النفط الخام المُنتج في الولايات المتحدة خفيف، ما يجعلها مضطرة إلى الاستمرار في الاستيراد. وقد تصدرت الولايات المتحدة قائمة الدول المصدرة للنفط هذا العام، وأظهرت بيانات من شركة «فورتكسا» لخدمات تتبع السفن أن صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام والوقود قفزت إلى حوالي 10.5 مليون برميل يومياً في شهر مايو(أيار) بدفعة من زيادة الإنتاج والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.
لكن الإنتاج الكثيف من النفط لا يجعل الولايات المتحدة دولة مصدّرة بمعنى الكلمة، لأنها تستهلك نحو ضعف ما تنتجه، غير أن إنتاجها يدعم اقتصادها الذي يعاني أزمة بنيوية عميقة. وقد أصدر مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) أحدث توقعاته لميزانية الحكومة الفيدرالية للفترة 2026-2036، والتي تشير إلى مسار مالي سلبي متزايد خلال العقد، حيث يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يبلغ عجز الميزانية الفيدرالية 1.9 تريليون دولار (5.8% من الناتج المحلي الإجمالي) في عام 2026، ومن المتوقع أن يرتفع الدين العام من 101% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي.
وكان الكونغرس قد رفع سقف الدين بمقدار 5 تريليونات دولار ليصل إلى 41.1 تريليون دولار بموجب قانون «القانون الواحد الكبير الجميل» الذي سُنّ في العام الماضي، وسوف يوفر ذلك هامشاً للصرف حتى عام 2027، وبسبب الاستمرار في دعم أوكرانيا ومن ثم فتح صراع جديد في الشرق الأوسط، فقد استهلكت إدارة ترامب أكثر من نصف سلطة الاقتراض الجديدة منذ ذلك الحين، لكنها لم تنجح في تحقيق نصر سريع في الشرق الأوسط، ما أدخلها في حرب استنزاف للموارد والطاقات في هذه المنطقة، وهذا أدى إلى حدوث نقاش كبير في الكونغرس حول كيفية معالجة العجز الوطني المتزايد الذي ينذر بتخلف كارثي محتمل عن سداد الديون التي تتراكم على الخزانة الأمريكية. وفي هذا الصدد، قد أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش أن التضخم في الولايات المتحدة يثير القلق، وأشار إلى صعوبة وصف الظروف المالية بأنها «تقييدية»، في ندوة بولاية وايومنغ يوم الأحد الماضي.
وتُعدّ الفائدة أسرع بنود الميزانية الفيدرالية نمواً. وعلى الرغم من أن النخب السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة تعلم أن تراكم الديون سيقود في النهاية إلى الإفلاس، لكن هذه النخب غرّها الوهم الزائف بأن القوة الأمريكية لا تُقهر وأن إشعال الحروب في العالم، وسيلة مهمة لجمع الثروة والتخلص من الديون، لكن نتائج الحرب في الشرق الأوسط قد أوجعت تلك النخب وجعاً عميقاً، حيث أدركت، بعد فوات الأوان، أن للولايات المتحدة كعباً مماثلاً لكعب البطل الأسطوري أخيل، فأي قوة مهما كانت عظمتها توجد فيها نقاط ضعف، وقد اتضح أن اعتماد الولايات المتحدة المفرط على التقنية المتقدمة كان هو نقطة ضعفها القاتلة في هذه الحرب. وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد استهلكت خلال النصف الأول من هذا العام نصف المبلغ الذي تم اقتراضه من قبل الكونغرس، وبما يعادل 2,5 تريليون دولار كنفقات للحرب، فهذا يعني أن معدل الفائدة قد ارتفع، وبالتالي فقد زادت الضغوط على الخزانة الأمريكية. ومن غير المعروف ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الاستمرار في دفع فائدة الديون كوسيلة للاستمرار في الاقتراض، فالديون أصبحت نحو 43 ألف مليار دولار، وبما يعادل كل ثروات العالم مجتمعة، بل تتفوق على تلك الثروات، فكيف ستتمكن الولايات المتحدة من الوفاء بهذه الديون التي تنوء بها الجبال؟.
وعلى الرغم من أن الأسواق العالمية لا تزال تُقيّم سندات الخزانة الأمريكية كمعيار للأصول الآمنة، فإن ذلك لا يمكن اتخاذه معياراً لمدى قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في الوفاء بالديون المترتبة في ذمتها، فقد يتغير الأمر بين عشية وضحاها.
