لماذا يضحك من الذقون دعاة العامية في الفضائيّات العربيّة؟ الترويج للدارجة قائم على أغلوطة، وراءها أحابيل وأباطيل. الألعاب السحريّة لا تخلو من الطرافة، فالجمهور يدفع النقود طوعاً، مقابل: «أمتعني بخداعي». لا وجود لذنب أو خيانة مؤتمن، ولا استخفاف بقضية أوطان وأمانة أمّة. أمّا استئساد العاميّة، فيستدعي نقطة نظام.
المشكلة ليست بين الفصحى والعامية. المصيبة هي أن العرب بدلاً من أن يحلّوا فاجعة الأمّية، التي هي جريمة حرمان المعنيين من التعليم وتطوير واقع حياتهم بالارتقاء في مدارج العلوم والمعارف، عمدوا إلى خراب بيت الفصحى.
يستطيع المفكرون والعلماء العرب، الحديث بالعامية في كل قضايا مجالاتهم، ولكنّ الأميين الحاضرين، لن يستوعبوا من كلامهم شيئاً، لأن المواضيع تتجاوز استيعاب الأمّي بعشرين مرحلة. من السذاجة إيهامنا بأن الراحل أحمد زويل، لو تحدث بالعامية، في الكيمياء الحيوية، وعلوم الوراثة، فإن الأمّي سيغادر القاعة ودماغه مضمّخ بالبيولوجيا، وأن محمد عابد الجابري، إذا شرح كانط وهيجل، بالدارجة، فإن الأمّي في نهاية المحاضرة سيخرج ودماغه كتلة فلسفة مثالية ألمانية. لا يا أعزائي، هذه مغالطة كبرى. إذا محيت الأمية، أغلق ملف القضيّة، فابحثوا لكم عن سوق لترويج هذه البضاعة الزائفة.
ليس في المقدور بغاية السهولة، تبسيط الاقتصاد والجغرافيا السياسية وعلوم الكون والأرض، بمجرد الحديث أو بث النصوص، بالعامية. هذا ضحك من الذقون، ذقون المساكين الذين هم ضحايا ألوان من الخداع. بسيطة: «الماء يكذّب الغطاس». الاختبار هو أن يرتجل المعنيون الفصحى خمس دقائق، لا غير، لنرى برهانهم إن كانوا صادقين.
سيّد الأسئلة: لماذا يوجد أمّيون أصلاً، حتى يتفضّل عليهم الأجواد ببيان العامّيّة؟ وليتها كانت عاميّة بيرم. السخرية الفاقعة، هي وقوع النخب، في كمّاشة مزرية، فعليهم أن يتجرّعوا الزقّوم. على المفكّرين والعلماء والباحثين، ونخصّ بالذكر والتجليل علماء اللغة العربية، أن يقعدوا، كأن على رؤوسهم الطير، ليتعلّموا كيف يخاطبون الناس بالخطوب التي ألمّت بالعربية والعرب.
سنة 2010، دعا القلم في هذا العمود، إلى مخاطبة الصغار منذ الحضانة بالفصحى. وستحل المشكلة. لم تكن للفصحى مع العامية خصومة أو عداوة. القضية الحقيقيّة تنمويّة تتمثّل في محو الأمّية.
لزوم ما يلزم: النتيجة القياسيّة: فرصة للتدرّب على فن السخرية، على غرار: بدلاً من محو الأمّية، ندمّر الفصحى. بدلاً من قتل البعوضة، نفجّر البيت.
