الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التنين والعم سام... وقمة شراء الوقت

28 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 28 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عند مدرج قاعدة أندروز، كان دونالد ترامب ينتظر وصول طائرة شي جين بينغ ليستقبله. صورة عابرة في زمنها، ثقيلة في دلالتها، فقد فعل ترامب الشيء نفسه قبل عام مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في ألاسكا، فيما تبدو واشنطن، في أكثر من ملف، أقل ليونة مع بعض حلفائها التقليديين. فهل تغيّر ميزان العلاقات، أم تغيّر معيار ما تراه أمريكا جديراً بأن تذهب إليه فقط؟
ليس في المشهد ما يكفي للقول إن أمريكا أعادت تعريف أصدقائها وخصومها، لكنه يكشف شيئاً أعمق: إن وزن العلاقة في الحساب الترامبي بات يُقاس، على نحو متزايد، بما يستطيع الطرف الآخر أن يضعه على الطاولة، لا بما تقوله خرائط التحالف وحدها.
ومن هنا، ربما ينبغي أن نقرأ قمة ترامب - شي لا من دفء صورتها، بل من برودة أرقامها، ومن الذي حضر حول الطاولة، ومن غاب عنها. ففي مأدبة البيت الأبيض، التي ضمت 134 مدعواً، لم يتجاوز الحضور الصيني 19 شخصاً، في حين جلس إلى المائدة أكثر من 30 من كبار رجال الأعمال الأمريكيين، معظمهم من عالم التكنولوجيا. ولم يكن اللافت في العدد الصيني بقدر ما كان في نوعيته، فقد غاب عن المشهد كبار الرؤساء التنفيذيين الصينيين، فلم تكن مائدة صفقات تجارية كبرى، بقدر ما كانت مائدة لإدارة علاقة باتت أكبر من أن تُختصر في صفقة.
فقد خرجت القمة بتفاهمات محدودة: خفض متبادل للتعريفات على نحو 30 مليار دولار من السلع غير الحساسة، وإنشاء قنوات للحوار في الاستثمار والذكاء الاصطناعي، وتمديد الهدنة التجارية شهرين. لكنها لم تخرج باتفاق تجاري شامل، ولم تفتح الملفات التي تصنع جوهر الصراع: تايوان، والرقائق المتقدمة، والمعادن النادرة، والقيود التكنولوجية، والتنافس العسكري. لقد اشترى الطرفان وقتاً جديداً، ولم يشترِ أحدهما نهاية الخلاف.
وهنا تكمن المفارقة: قد يكون أهم ما أنتجته القمة هو الوقت نفسه. فحين تعجز قوتان عن الاتفاق على المستقبل، تتفاوضان أحياناً على كيفية تأجيل الاصطدام به. ترامب خرج بما يستطيع عرضه سياسياً: سوق صينية أكثر انفتاحاً، وتعهدات تجارية يمكن تقديمها للمزارعين والمنتجين الأمريكيين، فيما بقيت التفاصيل والتنفيذ الكامل للصفقة الكبرى مفتوحة على التفاوض. وشي خرج بصورة أخرى: تثبيت العلاقة، وإبقاء باب الحوار مفتوحاً، من دون تقديم تنازل علني يغيّر الموقف الصيني من تايوان.
أما ما سكتت عنه القمة، فربما كان أفصح مما قيل. المعادن النادرة كشفت أن الصين لا تحتاج إلى امتلاك السوق كله كي تؤثر في أمريكا، يكفي أن تملك عنق الزجاجة. والرقائق تقول إن واشنطن لا تستطيع أن تمنح بكين تفوقاً تكنولوجياً بسهولة، كما أن بكين لا تستطيع أن تفصل نفسها سريعاً عن منظومة التكنولوجيا والتجارة الأمريكية. لذلك لم تُحل المعركة، بل أُنشئت لها قنوات للحوار. وحتى في الذكاء الاصطناعي، حيث جلس كبار شركات التكنولوجيا إلى مائدة ترامب وشي، لم يولد اتفاق ملزم، بل قناة لإدارة المخاطر والحوادث، والحوار المقبل.
وفي إيران وهرمز، لم تتحول الصين إلى ذراع للضغط الأمريكي على طهران. وهذا ليس مفاجئاً في منطق بكين البراغماتي، فالصين تحتاج إلى استقرار الممرات والطاقة، لكنها لا تحتاج إلى إنقاذ إيران بأي ثمن، ولا إلى منح واشنطن ورقة إضافية عليها. اتفق ترامب وشي على أن إيران لا ينبغي أن تمتلك سلاحاً نووياً، وعلى عدم فرض رسوم على الممرات المائية الدولية، لكنهما لم يعلنا صفقة صينية أمريكية تعيد رسم علاقة بكين بطهران.
ومن هنا تتسع الصورة. فالصراع الأمريكي الصيني لم يعُد سؤالاً عمّن ينتصر، بل عمّن يستطيع الاستغناء عن الآخر، وفي أيّ مجال، وبأيّ كلفة. وربما لهذا تبدو قمة واشنطن أقرب إلى هدنة لإدارة المنافسة منها إلى انفراج استراتيجي.
ولعل المفارقة أن قلة ما حُسم لم تُفضِ إلى قلة اللقاءات، بل إلى العكس تماماً. فقبل أن ينتهي العام، ينتظر ترامب وشي لقاءان آخران، أحدهما في قمة «أبيك» في الصين، والآخر في قمة مجموعة العشرين في الولايات المتحدة. وهكذا لا تبدو كثافة اللقاءات دليلاً بسيطاً على تراجع الخلاف، بقدر ما تكشف حجم الحاجة إلى إدارته.
فحين تعجز قوتان عن تسوية الملفات الكبرى دفعة واحدة، لا تغلقان الطاولة، بل تكثران الطاولات، وتشتريان من الوقت ما يكفي لمنع المنافسة من الانزلاق إلى مواجهة.
وربما لهذا لم تكن قمة واشنطن مجرّد هدنة بين رجلين، بل علامة على زمن تتوزع فيه مفاتيح القوة بين أكثر من يد. لا تزال أمريكا تمسك بمفاتيح كثيرة، لكن العالم لم يعُد يقف أمام باب واحد. وحين يصبح للآخرين أكثر من طريق، تتغير قيمة القوة: لا تفقد مكانتها، لكنها تفقد حقها في أن تكون الطريق الوحيد. وربما كانت تلك هي الحكاية الأبعد التي بدأت عند مدرج أندروز.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة