أمس اختتمت في أبوظبي أعمال منتدى هيلي في نسخته الثالثة. ثلاث نسخ حضرتها واحدة تلو الأخرى، وفي كل مرة كان هيلي هو نفسه، لكنه لم يكن كما كان. ولعل هذا هو أصعب ما يمكن أن تفعله الأشياء حين تكبر: أن تتغير من دون أن تفقد صورتها الأولى، أو بريقها الأول.
في نسخته الثالثة بدا لي أقرب إلى نفسه، وأنضج في معرفته بما يريد أن يكون. وهذا النوع من النضج يلفتني، أن تنمو الأشياء من دون أن تفقد ملامحها، وأن تتقدم من دون أن تضطر إلى التشبه بغيرها، وإنما بقدرتها على أن تعرف ما الذي يستحق أن يبقى، وما الذي يحتاج إلى أن يتغير.
حتى الجلسات الأربع التي تُعقد في الوقت نفسه، التي قد يراها البعض تحدياً لمن يريد أن يحضر كل شيء، أصبحت جزءاً من روح هيلي. فالمنتدى يقول لرواده بثقة: «عليك أن تختار». وفي زمن صار فيه جمع الأشياء بديلاً عن عيشها، يذكرك هيلي بأن المعرفة ليست أن ترى كل شيء، بل أن تمنح ما اخترته منك ما لا تستطيع أن تمنحه للجميع.
ولأن اختبار النضج لا يكون من داخل المساحة الآمنة، خرج هيلي منها، إلى ريو دي جانيرو في البرازيل، ثم إلى أديس أبابا في إثيوبيا، حاملاً الفكرة لا الصورة. ترك لكل مدينة أن تقولها بصوتها، لأن الاتساع ليس أن تذهب بعيداً، وإنما أن تستطيع أن تذهب بعيداً وتظل تعرف من أين أتيت.
ولعل أجمل ما في التجربة تلك التوأمة بين مركز الإمارات للدراسات والبحوث، وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، بحث ومنهجية وانضباط يلتقي بدبلوماسية وتعليم وبناء للقدرات، ليصنعا معاً ما هو أبقى من المؤتمر نفسه.
وفي دولة تعرف أن القوة الناعمة لا تُقاس بما نعرضه، بل بما نتركه، يصعب عليّ أن أدّعي الحياد تجاه الأكاديمية. أراها من أكثر مشاريع القوة الناعمة اكتمالاً في المنطقة، لأنها لا تصنع المعرفة وحدها، ولا الإنسان الذي يحملها وحده، بل تجمع التعليم والدراسات العليا، والتدريب التنفيذي، وبناء قدرات الدبلوماسيين وموظفي القطاعين الحكومي والخاص، إلى البحث والتحليل والاستشارات والفعاليات التي تصل المعرفة بالممارسة.
وفي النهاية، لا يبقى من المؤتمرات ما قيل على المنصة، بل ما غادرها إلى عقل إنسان، ثم مضى إلى إنسان آخر. فالأوطان لا تُبنى فقط بما ننجزه اليوم، بل بما نتركه في عقول من يكملون الغد.
