الاطّلاع في اللغة من«طلوع» أي صعود مرتفع والإشراف على الشيء من الأعلى، وهو فعل بصري، أما الثقافة فليست رؤية، بل صنعة تغير الشخص وطريقة تفكيره وتشكل شخصيته، ومن هنا يأتي الفرق بين «مطّلع» و«مثقّف»، فالمطّلع يملك المعرفة ونادراً ما يدفع ثمن ما يعرف، بينما المثقف هو من تشكله المعرفة وتصنع رأيه ويدين بذلك للعالم.
والمطّلع يجمع الكتب باعتبارها رصيداً، فما يقرأه منها هو ما يجعله قادراً على أن يبقى «مطّلعاً» على كل جديد فلا يفوته شيء. أما المثقف فهو الذي يقرأ كتاباً واحداً عشر مرات ليتوصل إلى تلك الفكرة التي تصقله ليصبح مثقفاً فعلاً.
ويشبه الفيلسوف سينيكا المطّلع بالذي يجمع الرحيق في قوارير ويلصق على كل منها اسم زهرتها، والمثقف بمن يصنع العسل من هذا الرحيق، لذلك يكثر الأول من الاقتباس ويكثر الثاني من التفكير.
المطّلع يعرف ماذا قيل، والمثقف يسأل: لماذا قيل؟ ومن المستفيد؟ وما الذي لم يُقَلْ بعد؟ الأول يرتاح إلى الجواب ويرتبك أمام سؤال بلا جواب جاهز، بينما الثاني يطمئن إلى السؤال المفتوح لأنه سيتيح له الفرصة لشحذ أفكاره والرد عليه، وكانت حكمة سقراط الوحيدة أنه يعرف أنه لا يعرف، فالوعي بحدود المعرفة شرط لتجاوزها.
والمثقف هو من لديه موقف، فالمطّلع يمكنه معرفة كل شيء عن موضوع دون أن يتخذ منه موقفاً، بينما لا يستطيع المثقف معرفة شيء عن الظلم مثلاً من دون أن يكون له موقف أو أن يبقى محايداً أمام ما يعرف. لقد رأى إدوارد سعيد بأن المثقف هو من يقول الحقيقة، بينما أشار التوحيدي إلى غربة العارف بين من لا يرون ما يرى.
وفي زمن الشاشة وقد صار الاطّلاع سهلاً وفي جيب كل منا مكتبة تكفي ليصير أي منا مطّلعاً على أي شيء، فهو رغم أنه انتصار للعلم والبشرية لكنه فخ أكثر عمقاً، إذا يسهل أن نظن التمرير قراءة، ومعرفة العنوان معرفة بالكتاب. لقد صار كل شيء مرئياً ولكن لا شيء مفهوماً لأن الثقافة تحتاج الدرس والتأني واستعادة ما يتم الاطّلاع عليه مراراً لاستيعابه.
ومع ذلك فالاطّلاع ليس نقيض الثقافة بل شرطها الأول، والمثقف الذي لا يملك المعلومة الصحيحة يبني قصوراً من التأمل على رمال الجهل. والمسألة ليست نوعين من البشر، بل مسار داخل الإنسان الواحد، فعلينا ان نبدأ بالاطّلاع ولكن لا نتوقف هناك بل نمضي إلى مسار الثقافة ونصقل ما تعلمناه ونصنع لأنفسنا رأياً وموقفاً وعلماً يستفاد به.
