الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإنسان ومواقفه المتحولة

29 سبتمبر 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 29 سبتمبر 00:10 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
نعرف الموقف بأنه نمط من الانتماء إلى قضية تظهر فيه ماهية الشخص. بل قل: الموقف هو ظهور الماهية. وظهور ماهية الشخص متعين بالمواقف التي تعني أن الشخص هو ظهور ماهيته الآن. والماهية، بوصفها تلك الظاهرة الآن، تعني أن الشخص قد اتخذ قراراً بأن يوجد على هذا النحو دون سواه.
فالشخص لا يظهر لنا خارج موقفه، لأن الموقف ليس شيئاً مضافاً إليه من الخارج، بل هو الكيفية التي يعلن بها عن ذاته في العالم. وما دام الإنسان كائناً يختار ويقرر وينحاز، فإن موقفه هو الصورة المتعينة لوجوده في لحظة من لحظات حياته. ولهذا لا تكون ماهية الشخص شيئاً مخبوءاً وراء أفعاله ومواقفه، نبحث عنه بعيداً عنها، وإنما هي حاضرة فيها، ظاهرة بها.
وإذا كانت ماهية الشخص لا تظهر إلا بوصفها موقفاً، فإننا نستطيع أن نتعرف إلى ماهية شخص ما من موقفه من المرأة، وموقفه من الفقر، وموقفه من الدكتاتورية، وموقفه من الحرية، وهكذا. ولكن من حيث مواقفه الآن، وليس من حيث مواقفه التي كان عليها من قبل.
هب أن شخصاً كان مع حرية المرأة، ثم اتخذ موقفاً جديداً ضد حريتها، فإن ماهيته الحقيقية الآن هي موقفه الآن. إنه الآن ما يظهر عليه الآن، من دون أن يفقد مسؤوليته عن ظهوره الماضي. فالماضي لا يُمحى، لكنه لا يستطيع أن يلغي الحاضر، كما أن الحاضر لا يستطيع أن يمحو مسؤولية الشخص عن ماضيه. غير أن سلوكه الآن هو الذي يمنحه شكل حضوره الآن.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين تاريخ الشخص وماهيته الحاضرة. فتاريخ الشخص هو مجموع تحولاته ومواقفه واختياراته، أما ماهيته الحاضرة فهي الكيفية التي يتعين بها الآن. ولهذا لا يجوز أن نحاكم حاضر الإنسان بماضيه وحده، فنقول عنه ما كانه، متجاهلين ما صار إليه. كما لا يجوز له أن يستدعي ماضيه الجميل ليستر به حاضره القبيح. فالموقف القديم لا يمنح صاحبه حصانة أبدية، ولا يستطيع الإنسان أن يعيش إلى الأبد على رأسمال موقف أخلاقي أو سياسي اتخذه ذات يوم.
هب أن مثقفاً ما سُجن من أجل فكرة إنسانية عظيمة، ودافع عنها، ودعا إليها، وانتسب إلى جماعة تجعل منها أُسَّ أيديولوجيتها، ثم خرج من السجن، وفي لحظة لاحقة اختار أن يكون مناهضاً للفكرة نفسها التي سُجن من أجلها، واتخذ موقفاً فكرياً وعملياً من وحي جديده المتناقض مع قديمه، فماذا نقول عن ماهيته؟.
إن ماهيته الجديدة هي ماهيته الحقيقية الآن. ولا يغير من هذه الحقيقة أنه دفع في الماضي ثمناً باهظاً لموقفه القديم. فالثمن الذي دفعه شاهد على ماضيه، وليس دليلاً على حاضره. والسجن من أجل الحرية لا يجعل صاحبه حراً إلى الأبد إذا اختار بعد ذلك الوقوف ضد الحرية. والتضحية من أجل فكرة لا تحول الفكرة إلى ملكية شخصية يستطيع صاحبها أن يستثمرها بعد أن ينقلب عليها.
وهذا لا يعني أن كل تحول في الموقف سقوط أو نكوص. فقد يكون التحول ثمرة معرفة أعمق، أو خبرة جديدة، أو وعي نقدي تجاوز وعياً قديماً. فالإنسان الذي لا تتغير مواقفه أبداً قد يكون عاجزاً عن التعلم بقدر ما يكون الإنسان المتقلب في مواقفه عاجزاً عن الثبات. ولهذا ليست المشكلة في التحول ذاته، وإنما في معنى التحول: من أين جاء؟ وإلى أين انتهى؟ وما الذي كشفه في الشخص؟
وتبرز هذه القضية أكثر ما تبرز في عالم المثقفين، الذين غالباً لا يستقرون على حال، لأن وعيهم يتغير بفعل عوامل متعددة ومتشابكة: المعرفة، والوعي النقدي، والمصلحة، والنكوص، والأزمات الشخصية، والأزمات العامة، واستيقاظ الهوية النائمة، والخبرة، والوعي الأخلاقي، والمنبت الاجتماعي، والمنبت الطبقي، وتشكل الذهنية تاريخياً، والانحياز الأيديولوجي، إلخ.
وكل هذه العوامل تظهر أكثر ما تظهر في اللحظات المفصلية من تاريخ المجتمع، وبخاصة في التحولات العميقة. ففي الحياة العادية يستطيع الإنسان أن يعيش طويلاً من دون أن يُجبر على الكشف عن موقفه النهائي من القضايا الكبرى، لأن الواقع نفسه لا يضعه أمام امتحان الاختيار. أما حين يدخل المجتمع لحظة مفصلية، فإن ما كان قابلاً للتأجيل يغدو سؤالاً حاضراً، وما كان كامناً يطلب الظهور، وما كان مستوراً بالمجاملات واللغة العامة ينكشف في صورة موقف..فالتحولات العاصفة في المجتمع، والنظرة إلى المستقبل، والانحياز الذي صار لا بد منه، لم تترك مجالاً واسعاً لستر المواقف، فأظهرت الهويات والماهيات الممكنة للمثقفين، سواء أكان ظهورها تعبيراً كتابياً أم سلوكاً سياسياً.
فاللحظات التاريخية الكبرى ليست خالقة للمواقف فقط، بل كاشفة لها أيضاً. إنها تضع الإنسان أمام ذاته، وتحرمه أحياناً من القدرة على الاختباء وراء لغته القديمة.
صحيح أن الإنسان تاريخ حضور وظهور، ولكن السؤال الأهم من هو الآن؟.مع تحفظ شديد فيما يتعلق بإنسان مارس الإجرام والاعتداء على الأحياء والحياة فما من آن قادر على تبرئته.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة