في فيلم «أبوكاليبتو» من إخراج ميل جيبسون، نرى البطل الذي تم أسره مع أفراد قبيلته من قبل جيش لحضارة المايا، حيث تدور الأحداث في المكسيك قبل وصول الرجل الأوروبي إلى الأمريكتين. بعد الأسر يتعرض البطل للسجن والتعذيب، ويعدّه خاطفوه ليكون أضحية بشرية في طقس وثني احتفالي، ولكنه يتمكن من الهرب،
ويتعقبه خاطفوه في مطاردات حركية تشد الانتباه، وعندما يفقد الأمل تماماً، ويصل إلى شاطئ المحيط ويستسلم لقدره، وليس وراءه إلا مجموعة من المطاردين، يقف الجميع: الصياد والفريسة تحدوهم الدهشة، فالأساطيل الإسبانية حطت على الشاطئ المكسيكي، وأصبح الجميع أمام واقع جديد مغاير.
الفيلم بالطبع رؤية أمريكية تصور الحضارات الأصلية في الأرض الجديدة على أساس أنها كانت بربرية، ينتشر فيها الظلم والفساد، ولكنه يستند إلى فكرة في فلسفة التاريخ طالما تحدث عنها الكثير من المفكرين، وتتمثل في أن الحضارات تسقط ليس نتيجة لعوامل خارجية وحسب، ولكن العوامل الداخلية كانت دوماً أكثر تأثيراً في تدهور الحضارة وانهيارها، وليست الهزائم العسكرية إلا محفز يٌسرّع ذلك الانهيار، ولنلحظ مثلاً أن ابن خلدون تحدث عن تفكك عصبية المجتمع وانتشار الترف والفساد كعوامل أساسية في تراجع الأمم، وأفولها.
إن أزمات العالم اليوم تعود في شقّ كبير منها، إلى أنها ترتبط أساساً بالحضارة الغربية، وهنا الإشكالية الحقيقية، فلأول مرة في التاريخ تستطيع حضارة أن تفرض نموذجها ليأخذ كل هذا الانتشار، والأكثر مدعاة للأسى أن العوامل السلبية التي تنخر في الحضارة الغربية، تنخر أيضاً، بدرجة أو أخرى، في جسد العالم بأكمله، ولنأخذ تغيّر المناخ و التخوف من الذكاء الاصطناعي هنا كنموذجين.
لقد أوصلت الحضارة الغربية العالم إلى طريق مسدود، فهي لا تهيمن على العالم وحسب، وآثارها السلبية لن تمتد إلى الآخرين، ولكنها أيضاً خلقت إنساناً مدجّناً يعجز عن إبداع أيه فكرة مختلفة، أو وضع تصور بديل للمستقبل البشري، بمعنى أنه لاحضارة بديلة في حال انهيار الحضارة الغربية.
بدأت القصة المسرحية مع سقوط المعسكر الشرقي، وفي أقل من أربعة عقود كان العالم بأكمله قد شُكل وفق نمط واحد، بدأت الحكاية بالعولمة، حيث إعداد الأرض لتقبّل نمط حضاري واحد، وتصاعدت حبكة الأحداث مع خلفية إيديولوجية رديفة تمثلت في النيوليبرالية، هنا كان يتم احتلال عقول النخب في مختلف أنحاء العالم، وبعد ذلك، بدأ الفصل الثاني من المسرحية بنشر قيم الاستهلاك ومخاطبة غرائز البشر على أوسع نطاق ممكن، مع دعم وسند من التكنولوجيا الحديثة التي سطّحت الأرواح قبل العقول، هنا كان يتم غزو عقول الجماهير الغفيرة، واستيقظ الجميع مع ستارة الفصل الثالث فقط، حيث قضايا المناخ، وهيمنة الروبوتات أشبه بالنهاية التي تسبق إعتام المسرح، ومغادرة الجمهور.
هي مسرحية ناجحة إذا كانت تدور عن عالم آخر لسنا أبطاله، أو إذا كانت تتحدث عن المستقبل البعيد، ولكننا انخرطنا فيها إلى درجة أننا سنعاني أيّ انهيار حضاري مقبل ونحن أعجز عن فعل أي شيء.
