الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إسرائيل ومصير إسبارطة

3 أكتوبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 3 أكتوبر 00:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أثبت تاريخ إسبارطة أن الدول التي تعتمد على القوة العسكرية المطلقة وتبني خيار الحروب الدائمة لا بد أن تكون نهايتها الفشل المحتوم. لقد تبنت إسرائيل منذ تأسيسها هذا الخيار، وتبنى مؤسسوها مقولة إن بقاء إسرائيل لا يتم إلا بالقوة العسكرية، وتوسيع نفوذها وصولاً إلى تحقيق «إسرائيل الكبرى». لذلك تقوم إسرائيل ومنذ نشأتها على فرضية أساسية وهي الهيمنة العسكرية على المنطقة كلها، إدراكاً منها أنها قامت وسط إقليم جغرافي غريب عنها، لذلك لا بد لها من بناء منظومة عسكرية متطورة وتكريس الهوية اليهودية القومية، وبناء شبكة من التحالفات مع الدولة المسيطرة عالمياً فكانت البداية مع بريطانيا التي كان لها الفضل في قيامها من خلال وعد بلفور، ثم سياسة الانتداب وفتح أبواب فلسطين للهجرة، وصولاً إلى قرار الأمم المتحدة رقم 181 الذي بموجبه قامت إسرائيل كدولة، ولتنتقل بعد ذلك إلى التحالف مع الولايات المتحدة التي وفرت لها القوة العسكرية والمالية والحماية الدولية، وضمان عدم تنفيذ قرارات الشرعية الدولية من خلال استخدام «الفيتو».
لقد تبنى كل ساسة إسرائيل مفهوم القوة والحروب، بدءاً من بن غوريون، وصولاً إلى بنيامين نتنياهو الذي يتقمص شخصية جابوتنسكي الذي يؤمن بفلسفة القوة المطلقة..وهذه الأفكار تمثل الجذور الفكرية والأيديولوجية لحزب الليكود الذي يقوده نتنياهو واليمين المتطرف الذي يقوده اليوم بن غفير وسموتريتش اللذان يطالبان اليوم بتهجير كل الشعب الفلسطيني، وضم كل الأراضي الفلسطينية وعدم قيام الدولة الفلسطينية.
إن إسرائيل تتبنى نفس مفهوم إسبارطة الذي يقوم على القوة، وما حرب غزة وقتل أكثر من سبعين ألفاً، وإعاقة أكثر من مئة ألف وتدمير كل البنية التحتية، واستيطان الضفة الغربية إلا المنطلق لقيام إسرائيل الكبرى أو «إسبارطة العظمى».
هذا النموذج الإسبارطي الذي تتبناه إسرائيل اليوم لن يحقق لها أهدافها مهما فعلت، رغم احتلالها لكل الأراضي الفلسطينية، وارتكاب المجازر وجرائم الحرب والسعي للتوسع، لأن ما تقوم به يتعارض مع كل قوانين الطبيعية والجغرافيا والتاريخ، كما لن تستطيع أن تجعل من القوة قانوناً دائماً يحدد موازين المستقبل.فهي تعاني الآن مظاهر الفشل والتراجع والعزلة على صعيد العالم. ولعل المثال القوي على هذه العزلة اجتماع الجمعية العامة ال81 الذي وصف بدورة فلسطين وانسحاب معظم الوفود من القاعة أثناء خطاب نتنياهو.
نتنياهو المكيافيلي النزعة، يريد أن يؤسس لمملكة باسمه ويربط اسمه بإسرائيل الكبرى أو إسرائيل إسبارطة العظمى.ولو عدنا لكتابه «تحت الشمس» الذي دعا فيه إلى تبني نموذج يجمع بين أثينا وإسبارطة، مبرراً أن العزلة ستضطر إسرائيل إلى التكيف مع اقتصاد ذي سمات أوتارخية، نسبة إلى المؤرخ اليوناني بلو تارخ الذي قال في كتابه «تاريخ أباطرة الإغريق» إن السلامة الطبية للمولود الإسبارطي كانت تفحصه فور ميلاده، فإذا كان سليماً يتم تربيته، أما غير ذلك فيقتل.
وهذا هو منطق نتنياهو والذي انتقده العديد من السياسيين الغربيين واليهود. فارنولد توينبي ندد بقيام إسبارطة بالتخلص من التزاماتها وتعهداتها وهذه حال إسرائيل اليوم. كما أن المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت يرى في سفره الموسوعي أن إسبارطة العظمى 900_371 قبل الميلاد «أمة بلا تاريخ طواها النسيان فور سقوطها»، في حين أن نتنياهو يراهن على إسبارطة الإسرائيلية العظمى بما لديها من إمكانات ودعم أمريكي، وما تحوزه من تعدد مصادر الحياة من مال وتكنولوجيا وسلاح.
يبقى أن هذا النموذج محكوم عليه بالفشل، لأن إسرائيل لم تقدم لشعبها سوى الحرب، ويقودها عسكريون ومتطرفون لا يؤمنون إلا بالحرب، وبث العنصرية والكراهية كمنطلق لتحقيق أهداف، لن تؤدي إلا إلى مزيد من الدم والدمار وانعدام الأمن والسلام.. لكن ذلك محكوم بنهاية لا بد أن تأتي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة